استمع لاذاعتنا

العاصفة تبدأ هبوبها.. والسفيرة الأميركية تحذّر العهد

لم تزل رياح العاصفة في بداية هبوبها. التحركات في الشارع التي حدثت يوم أمس الخميس، ليست إلا مقدمة لما سيأتي فيما بعد، بشكل أعنف وأوسع.

الصراع على النفوذ مفتوح. بالنسبة إلى رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل، المعركة لن تتوقف هنا. مسارهما مستمر، إلى جانب رئيس الحكومة حسان دياب.

الحرب على حاكم مصرف لبنان مستمرة، وحصر مسؤولية الانهيار بشخصه أيضاً مستمرّ. وفي السياسة، يجد العهد والحكومة كبش الفداء الذي سيتم تحميله المسؤولية بالمعارضين السياسيين. أما كبش الفداء المالي فسيكون رياض سلامة.. وإن لم يتمكن عون وباسيل من إقالته، لكن بالحد الأدنى إحراقه شعبياً وسياسياً.

“فتوى” إقالة سلامة

التراجع غير وارد في قاموس عون. ودياب يقترب منه أكثر فأكثر. النقاش والتداول الذي حصل بين الرجلين حول التلويح بإقالة رياض سلامة، وإيجاد فتوى ومخارج قانونية ومسوغات لتمرير القرار، تم بشكل ثنائي. فاكتشف رئيس مجلس النواب نبيه برّي، أن “الاتفاقات الثنائية” تتجدد بين دياب وعون، كما بين دياب وباسيل، لأن فكرة إقالة سلامة لم يتم بحثها أو إبلاغ وزير المال بها. وطبعاً برّي يعارض إقالة سلامة بهذا الشكل. ويستشعر رئيس مجلس النواب المزيد من الخطط لتطويقه، ولاتهامه ووضعه في دائرة المستهدفين. لذا، هو يتحضر بدوره للهجوم في سبيل الدفاع.

بحث الطرف الراغب بإقالة سلامة، يوم الخميس، عن فتوى قانونية، فوجد ضالته لدى الوزير السابق سليم جريصاتي، الذي أعد استشارة قانونية تتجاوز قانون النقد والتسليف الذي يمنح حاكم المصرف المركزي حصانة، ولا يمكن إقالته إلا إذا تقدم هو باستقالته، أو صدر عليه حكم قضائي بارتكاب أخطاء مالية هددت مالية الدولة، أو إثبات حالة صحية لا تسمح له باستكمال مهامه. تنص استشارة جريصاتي على أنه من حق الحكومة إقالته بما أنها الجهة التي تعينه. مع حفظ حق المقال بالذهاب إلى الإدعاء لدى مجلس شورى الدولة. ولكن حتى لو صدر قرار مجلس شورى الدولة برفض الاستقالة، يكون سلامة قد توقف عن ممارسة عمله، ولا يمكن إعادة تعيينه طالما الحكومة ترفض ذلك.

السفارة وأوراق سلامة

لكن ليلاً، تدخلت السفارة الأميركية: رياض سلامة خط أحمر. وإذا كان محمد بعاصيري علّق التعيينات المالية، لا يمكن لواشنطن أن تسمح بإقالة سلامة وسيطرة عون وحزب الله على القطاع المالي والمصرفي. أُجريت اتصالات بالعديد من القوى، ووُجهت تحذيرات وتهديدات، بأن أي خطوة من هذا النوع، ستؤدي إلى المزيد من الانهيار، لا سيما أن الحكومة والراغبين بإقالة سلامة لا يمتلكون أي خطة أو رؤية بديلة لمعالجة الوضع الإقتصادي، وإقالة الحاكم ستؤدي إلى مزيد من الانهيار في سعر صرف الليرة.

لدى سلامة أيضاً الكثير من الأوراق والخفايا، التي ربما قد يلجأ إلى الكشف عنها، عندما يشعر بالتهديد الجدّي.
كل هذا يعني استمرار الصراع على أكثر من حلبة، فيما يذهب لبنان بخطى متسارعة نحو كارثة متعددة الاتجاهات والمستويات. السفيرة الأميركية حطت في اللقلوق، التقت بباسيل للاستطلاع، وللتحذير بأن المسار الذي تسلكه الأمور، قد ينذر بمخاطر كثيرة، وستكون تداعياته كبيرة. ولا بد من تهدئة اللعبة.

إخراج الأرانب

باسيل وعون لا يتراجعان، وإن لم تتم إقالة سلامة. هناك الكثير من الأرانب التي سيتم إخراجها. وهي أيضاً تندرج في خانة المضي قدماً نحو حرب النفوذ ومعركة تصفية الحسابات. هناك فكرة بدأت بالتبلور بين رئيس الجمهورية وباسيل، ووزيرة العدل، تنص على تشكيل لجنة مالية وقضائية للتدقيق في حسابات وثروات السياسيين، على أن يترأسها مدير عام وزارة المالية آلان بيفاني، تعمل على التحقيق في حسابات إدارات الدولة ومن تعاقبوا عليها، بالإضافة إلى تقصّي ثروات السياسيين ومواردهم.

هذه الفكرة أيضاً لم يتم بحثها مع وزير المال غازي وزني. الأمر الذي استفز نبيه برّي أكثر.

بمجرد التلويح بمثل هذه الفكرة، يعني أن المعركة السياسية ستتصاعد، لا سيما أن اللجنة التي سيتم تشكيلها ستكون معروفة الانتماء والهوى، بينما مثل هكذا تحقيقات يجب أن تحصل من قبل جهة دولية وقضائية لبنانية مستقلة، تفتح كل الدفاتر والأوراق، وتكون بعيدة عن الحسابات السياسية.

سيحاول باسيل الإشاعة من خلال الإعلان عن هذه الفكرة، بأن العهد يعمل على التحقيق بكل أسباب الانهيار، وتقصي حالات الهدر والفساد. لكن الخصوم السياسيين استنفروا كمعارضين. طبعاً، معارضة الفكرة ستكون على أساس شبهة الخلفية السياسية التي تنطلق منها هذه اللجنة ومن هم ورائها. والتي ستؤدي حتماً إلى توتر سياسي كبير، قد ينعكس في الشارع أيضاً.

يفترض بالحكومة أن تقدم خطتها المالية والاقتصادية وورقتها الإصلاحية الأسبوع المقبل. وحسب التقديرات، فإن الخطة لن تؤدي إلى تحقيق أي إنجاز، سوى إثارة زوبعة جديدة من الأخذ والرد الإعلامي، وستثير عاصفة من المعارك السياسية، في حين أن تراكم الوهن سيؤدي إلى انفجار كبير، لأن التبصر بكل هذه السياسات يكشف أنها تأتي من خلفيات إنتقامية.