استمع لاذاعتنا

لبنان… حكومة دياب تواجه الشارع ومتطلبات دولية

بدفع قوي من “حزب الله”، انتهى مخاض ولادة الحكومة الثالثة في عهد الرئيس اللبناني ميشال عون. إلاّ أنّ الأنظار تحولت سريعاً إلى الحركة الاعتراضية الواسعة في الشارع، لا سيما في محيط مجلس النواب الذي أصبح ساحة اشتباك بين المتظاهرين والقوى الأمنية.

 

الغضب الشعبي قابله حذر وترقب دولي، إذ أشارت مصادر دبلوماسية غربية إلى أن المجتمع الدولي ينتظر نيل الحكومة الجديدة “ثقةَ الشعب” كشرط أساسي لنيل ثقته، بخاصة الدول المانحة وعلى رأسها “مجموعة الدعم الدولي للبنان”، التي باتت الملاذ الآمن الأخير لاستعادة أنفاس الاقتصاد اللبناني المتهاوي.

جرعة دعم دولية

وفي وقت اعتبرت القوى المنضوية في الحراك الشعبي أن حكومة الرئيس حسان دياب أتت مخيبة للآمال، طالب الأخير بمنحه فرصة لإرساء نهج الشفافية والمحاسبة والإصلاح ومحاربة الفساد وتنفيذ مطالب الشارع وعدم مواجهته بأحكام مسبقة.

وقد تلقى دياب جرعة دعم دولية عبّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي رحب بتشكيل حكومة جديدة، مؤكداً العمل مع رئيس الوزراء الجديد من أجل دعم الإصلاحات في البلد المثقل بالديون والذي يصارع أزمة اقتصادية. بينما جاء التعليق الفرنسي “ضبابياً” على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قال “سنقوم بكل شيء لمساعدة أصدقائنا اللبنانيين في الأزمة العميقة التي يمرون بها”.

المصادر الدبلوماسية وضعت الردود الدولية التي صدرت والتي يُتوقع أن تصدر لاحقاً في سياق الترحيب “البروتوكولي”، مشيرةً إلى أن الاختبار الدولي للحكومة اللبنانية يكمن في بيانها الوزاري الذي سيكشف عن مدى قدرة “حزب الله” على التحكم بقراراتها من ناحية، والاعتراضات الشعبية من ناحية أخرى.

وتخوفت المصادر من أن تعتبر الدول الكبرى الحكومة الجديدة استعادة إيرانية للشرعية اللبنانية عبر “حزب الله”، موضحةً أنّ عقوبات جديدة ستتّخذها الخزانة الأميركية قريباً، وهي مصمَّمَة لفرض قيود على شركات صيرفة مالية لبنانية وأخرى عراقية، تعتقد واشنطن أنها تتولى تبييض الأموال ونقلها من بلدان أميركية لاتينية ومن العراق، سمحت للحزب بمواصلة أنشطته المالية والاقتصادية.

حكومة “إعلان الحرب”

على المقلب الآخر، رأت مصادر الانتفاضة الشعبية أن ردود الفعل في الشارع “جاءت ردّة فعل على حكومة الكذب”، مشيرةً إلى أن الرئيس دياب أكد عندما كُلّف أن الانتفاضة تشبهه وأنه سيشكّل حكومة مستقلين، في حين أنه أتى في الواقع بحكومة حزبيين بقناع الاستقلال والاختصاص، وأن “الحكومة الماضية كانت بلونين، أما اليوم، فأصبحت من لون واحد”.

وشدّدت على أنه لدى الثوار مخططات يومية للتصعيد المتتالي، ابتداءً من هذه اللحظات وبالتزامن مع جلسات منح الثقة، مؤكدةً أنه سيعلن عن كل الخطوات في حينه، لأن القرار لا يصدر عن شخص واحد، بل نتيجة التشاور مع كل المجموعات. واعتبرت أن “دياب بهذه الحكومة، أعلن الحرب على الشعب، الذي سيواجه حكومته حتى إسقاطها”.

قلعة حديدية

في المقابل، سخرت أوساط سياسية من التحصينات الضخمة عند المداخل المؤدية إلى المجلس النيابي، واصفةً الجدران الشاهقة التي ارتفعت لتفصل بين المتظاهرين وباحة المجلس بأنها “جدران الفصل العنصري”.

ورأت أن الشعب أسقط شرعية المجلس النيابي، مؤكدةً ضرورة إجراء انتخابات نيابية مبكرة وفق قانون جديد.

وتوقعت الأوساط نفسها أن يستمر محيط المجلس ساحة للمواجهة العنيفة بين السلطة والمتظاهرين حتى إشعار آخر، باعتبار أن الحكومة الجديدة تعكس التفافاً واضحاً على مطالب المحتجين، الذين يرون أن من “خرجوا من الباب، عادوا من الشباك”.

تكتل معارض بوجه دياب

في السياق، اعتبرت مصادر سياسية أن المشهد الذي أفرزه تأليف الحكومة، يوحي بإمكانية وجود تكتل نيابي واسع النطاق، معارض لرئيس الحكومة، قوامه تيار المستقبل والقوات اللبنانية والكتائب اللبنانية، إضافةً إلى الحزب التقدمي الاشتراكي وشخصيات مستقلة أخرى.

ورأت أنه في حال بقي عدد من ضمّهم التكتل الذي سمى دياب في الاستشارات النيابية عند 69 نائباً، وقوامه حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، فقد تتشكل كتلة معارضة من 59 نائباً.

جولة خليجية

في سياق متصل، علّق مصدر دبلوماسي خليجي على إعلان دياب نيته القيام بجولة خليجية فور نيل حكومته ثقة المجلس النيابي بالقول إن “أبواب الخليج لطالما كانت مفتوحة للشعب اللبناني ونحن نرحب بأي زائر لبناني”، لكنّه أردف “لا أعتقد أن هناك دعوة رسمية للرئيس دياب على المدى القريب”.

وأشار إلى أن دول الخليج العربي تعتبر أن أي حكومة تملك برنامجاً إصلاحياً قادراً على إنقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية واستعادة سيادة الدولة، ستلقى دعماً عربياً ودولياً، إلاّ أنّه في الوقت الراهن لا يوجد أي برنامج دعم مالي، مشدداً على حق الشعب اللبناني بالأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي.

وأسف المصدر على خسارة لبنان لعددٍ كبيرٍ من الدول الصديقة والداعمة له نتيجة السياسة الدبلوماسية المتّبعة في الحكومات الأخيرة، والتي شكّلت خروجاً فاضحاً عن الإجماع العربي، متأملاً من الحكومة الجديدة أن تعيد تصويب سياسة البلاد الخارجية بما يخدم المصلحتَيْن اللبنانية والعربية.