استمع لاذاعتنا

هل أينع رأس الأسد؟

طوت السلطة القضائية الألمانية “فترة السماح” التي كانت جائحة “كوفيد-19” قد فرضتها. هذا خبر غير سار لكثير من المطاردين الذين يحتمون بويلات الشعوب، يتقدّمهم النظام السوري الذي اقتيد الخميس في 23 أبريل، عبر ضابطين أمنيين سابقين، إلى أولى محاكماته في العالم لمساءلته عمّا اقترفه من جرائم ضد الإنسانية.

 

المحاكمة التي انطلقت في مدينة كوبلنتس، غرب ألمانيا، في أبعادها الحقيقية ليست محاكمة حصرية للضابطين الأمنيين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب، المتهمين بارتكاب جرائم قتل معارضي بشّار الأسد وتعذيبهم واغتصابهم في فرع الخطيب في دمشق، التابع لأمن الدولة، بل هي محاكمة للنظام السوري ونهجه الوحشي في التصدّي للثوار المسالمين في المرحلة الأولى من اندلاع الثورة، أي في الفترة الممتدة من مارس 2011 حتى سبتمبر 2012. حينها لم يكن قد وُلد بعد تنظيم “داعش” وأشقائه، لأن الأسد لم يكن قد أفرج عن أهم المساهمين في إنشاء هذه التنظيمات وتوجيه أعمالها.

وأهمية هذه المحاكمة لا تكمن فقط في بعدها الإنساني، بل هي أكثر من ذلك بكثير، فهي تُحيي ذاكرة المجتمع الدولي على أن الإرهاب الذي شكا ويشكو منه، إنما يجد رحمه وبيئته الحاضنة ومدرسته، في أنظمة يتقدّمها النظام السوري الذي لا يتوانى عن ارتكاب أعتى الجرائم ضد الإنسانية، من أجل البقاء والاستمرار.

 

وتسد المحاكم الوطنية في الدول التي تعتمد مبدأ “الولاية القضائية العالمية”، مثل ألمانيا وفرنسا (باريس شاركت برلين في التحقيقات في ملف رسلان/ الغريب)، الفجوة التي يحدثها الفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي، ممّا يحول دون إحالة ملف الجرائم السورية على المحكمة الجنائية الدولية.

ولكن، ثمة سؤال يفرض نفسه: ماذا يضير النظام السوري محاكمة ضابطين هربا من سوريا ولجآ إلى الدولة التي سجنتهم واتهمتهم وهي الآن تحاكمهم؟ ألا تقوّي هذه المساءلة القضائية النظام وتوحّد صفوفه، طالما أن لا ملجأ آمنا لأركانه، صغارا كانوا أم كبارا، إلا في استمرارهم في التسيّد على سوريا وشعبها ومواردها وخيراتها وتاليا تسليم أمرها إلى إيران وروسيا؟

هذه إشكالية منطقية، لكنّها ناقصة لتجاهلها معادلتي الثابت والمتغيّر في العلاقات الدولية.

كيف ذلك؟

الثابت في السياسة الدولية هو كل معطى يرسم حدود تعاطي دولة مع دولة أخرى، بحيث يحرم السلطة القائمة في دولة ديمقراطية من قدرة التساهل هنا والمناورة هناك لمصلحة دولة أخرى. وتدخل الأحكام القضائية في صلب هذه المعادلة.

أما المتغيّر في العلاقات الدولية، فيقوم على الواقعية السياسية التي تشجع على اعتماد الانتهازية والبراغماتية.

وبهذا المعنى، فإن أي حكومة ألمانية مقبلة قد تدفعها الواقعية السياسية إلى التعامل مع نظام بشار الأسد، سوف تجد قرارات وأحكام قضائية وطنية تمنعها عن ذلك، ليس حبّا بالمبدأ، إنما حرصا على نفسها من إعطاء المعارضة سلاحا فتّاكا تشهره في وجهها.

وفي السياسة الدولية، ما يصدر عن ألمانيا من قرارات وأحكام لا تنحصر مفاعيلها فيها، بل تمتد إلى الاتحاد الأوروبي ككل.

ويصبح إمكان التعامل مستقبلا مع الأسد أكثر تعقيدا، إذا أضيفت إلى هذه الأحكام، قرارات دولية كبيرة وخطرة مثل توجيه منظمة حظر الأسلحة الكيمائية، قبل أسبوعين، إلى النظام السوري تهمة قصف معارضيه في اللطامنة في محافظة حماه بغاز السيرين والكلور في 24 و25 و30 مارس 2017.

وأهمية القرارات والأحكام التي تصدر في إطار مكافحة الجرائم ضد الإنسانية، وهذه حال المحاكمة التي انطلقت في ألمانيا، تكمن في أن المسؤولية ليست فردية، كما هي الحال في الجرائم الإرهابية مثل قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري، بل هي مسؤولية تصاعدية، فحتى لو نفّذ هذا النوع من الجرائم المستوى الوسطي، فإن المسؤولية تصل إلى رأس الهرم، بمجرد أنه لم يتحرّك لمعاقبة الفاعلين.

كل هذا يفيد بأنّ المحكمة الألمانية التي بدأت جلساتها في ملف رسلان/ الغريب، وهي ليست سوى الحلقة الأولى في مسلسل مفتوح من المحاكمات في أكثر من دولة في العالم، في ظل ملفات تحقيق مفتوحة في فرنسا على سبيل المثال لا الحصر، وفي ظل قانون “قيصر” الصادر في الولايات المتحدة الأميركية، (هذه المحكمة) ستؤدي بالنهاية إلى إسقاط نظام الأسد.

كيف يحدث ذلك؟

لنضع إيران جانبا، على اعتبار أن تفاعلاتها الإيجابية مع المجتمع الدولي “غير مقروءة بعد”، ولنركّز على روسيا، حامية النظام السوري في مجلس الأمن الدولي، وصانعة “انتصاراته” العسكرية الميدانية.

إنّ روسيا لا تريد التسيّد على دولة مدمّرة وعلى شعب فقير وعلى نظام مهترئ لا يفتش إلا عن البقاء والاستمرارية، بل هي تريد إعمار سوريا وتقليص حدّة الفقر المولّد للاضطرابات المستقبلية التي ستنعكس سلبا على استقرار خططها ومشاريعها، في هذه البقعة الشرق أوسطية.

ولا تملك روسيا الأموال اللازمة لهذه المهمة الشاقة والمكلفة، بل هي تركن في ذلك إلى الاتحاد الأوروبي كما إلى مجلس التعاون الخليجي، وتاليا فهي تدرك أهمية الولايات المتحدة الأميركية في ذلك.

ومع الأزمات المعقدة التي أوجدتها طريقة مكافحة جائحة “كوفيد-19” أصبح توفير الأموال الضخمة التي تتطلبها إعادة إعمار سوريا التي دمرها النظام بالتعاون مع إيران وروسيا، أكثر ندرة وتاليا أكثر أهمية.

وهنا تأخذ القوانين والقرارات والأحكام الصادرة ضد نظام بشّار الأسد أهميتها القصوى، إذ إن الدول المطلوب منها المساهمة في إعمار سوريا، ستجبر روسيا على الجلوس إلى الطاولة للتفاوض على رأس النظام السوري وبنيته.

ولا شيء يحول دون أن تقبل موسكو الإطاحة برأس النظام السوري الضار، لمصلحة “آخر نافع”، وثمة من وجد في الحملة الصحافية الروسية الأخيرة، عبر وسائل إعلام مقربة من الكرملين، على بشار الأسد ونظامه الفاسد وشعبيته المنهارة، إشارة إلى فتح…البازار.

أمثال بشّار الأسد من مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، كتلك التي تنظر في عيّنة بسيطة منها المحكمة الألمانية، لا ينتصرون بل… بيعا يُباعون.