“العمل من المنزل”… طوق نجاة في زمن “كورونا”

“العمل من المنزل” عبارة عجيبة غريبة مريبة في هذا الجزء من العالم، أو على وجه الدقة، الغالبية لم تعتد فكرة العمل في المنزل، باستثناء حالات معينة، إمّا للضرورة القصوى، وإما بحكم الانتماء إلى فئات اجتماعية وثقافية وتعليمية بعينها.

 

عينٌ على الشاشة، والأخرى تتجوّل في أرجاء الغرفة، حيث الصغار يقفزون على الأريكة، التي جرى تحويلها بحيث لا تكون في مرمى كاميرا الكمبيوتر، لقد حان موعد الاجتماع اليومي للشركة، المقرر في تمام العاشرة صباحاً.

الاتفاقُ المبرم بين “صفاء”، مسؤولة التسويق بالشركة، وابنيها التوأم وابن جارتها القابعين لديها بعد قرار تعطيل الدراسة بأن لا يتفوهوا بكلمة طوال الاجتماع الافتراضي على “سكايب” تبخّر في الهواء.

ما أن جرى الاتصال، وبدأ الاجتماع حتى ظلوا يهتفون، ويصيحون غير عابئين بإشاراتها التهديدية من خلف ظهرها أو بتهديدها الفارغ، بأنهم لو لم يمتثلوا إلى الأوامر فسترسلهم إلى المدرسة، هتف الصغار وصاحوا: “الوزير قافل المدرسة” بعلو الصوت.

اجتماعات افتراضية

أصوات الموظفين المتداخلة في الاجتماعات الافتراضية قليلة، لكنها واقع تعرفه الغالبية، تتصاعد وتيرة وأعداد هذه الاجتماعات في ظل مبادرات فردية من بعض الشركات وأماكن العمل بالإبقاء على موظفيها أو جانب منهم في البيت، شرط الاتصال بشبكة الإنترنت طوال ساعات العمل من دون استثناء إلا في حالة انقطاع الكهرباء أو الإنترنت. البعض بدأ يطبق مبدأ “العمل من المنزل” إمّا اتقاء لشرور انتشار الفيروس، أو على سبيل التجربة أياماً عدة.

يقول أيمن سليمان، صاحب شركة معدات طبية خاصة، إنه أصدر قراراً ببقاء موظفيه البالغ عددهم نحو 25 شخصاً في المنازل مع استمرارهم في العمل عبر الإنترنت. ويضيف: “هذه تجربة واقعية، وسأجري تقييماً لحجم العمل المُنجز ونوعيته بعد انقضاء الأسبوع. وسيُجرى تقييم سرعة الإنترنت المتاحة لكل منهم، وفعالية أدائهم في بيئة العمل الجديدة عليهم، وما يجب إصلاحه أو تزويده، حتى تكون الشركة مستعدة في حال أصبحت هناك حاجة ماسة إلى الإغلاق”.

إغلاق أماكن العمل، أو تخفيض عدد الموظفين الذين يذهبون بأنفسهم إلى العمل في ظل إعلان منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا “وباءً عالمياً”، بات أمراً أقرب إلى الجميع مما كانوا يتخيلون.

وعلى الرغم من أنّ البعض يأخذه بـ”استخفاف” أو لا مبالاة أو على سبيل الكسل وانعدام المسؤولية، حيث “الدعاء بأن تغلق الشركة أبوابها أسبوعاً أو أسبوعين”، أو “يعلق المصنع عمله شهراً أو شهرين” مع استمرار تقاضي الرواتب، فإن واقع حال “العمل من المنزل” يختلف عن ذلك.

تكنولوجيا المعلومات

قد يكون “العمل من المنزل” ثقافة أو أمراً أصبح مألوفاً لدى بعض الشعوب، وذلك في ضوء تطوّر تكنولوجيا المعلومات، وتسارع أعداد المتصلين بالشبكة العنكبوتية ومستخدميها، لأسباب مهنية لا ترفيهية فقط.

على مدار العقدين الماضيين، تزايدت أعداد العاملين عن بُعد، سواء من المنزل أو المقهى أو عبر البحار، في دول عدة غالبيتها في الجانب الغربي من العالم، إضافة إلى أستراليا وعدد من الدول في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية.

في عام 2013 أصدرت منظمة العمل الدولية بالتعاون مع “المؤسسة الأوروبية لتحسين ظروف المعيشة والعمل” دراسة عنوانها “العمل من أي مكان في أي وقت: الآثار على عالم العمل”، وجاء فيها أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة “أحدثت ثورة في العمل والحياة اليومية في القرن الـ21″، إضافة إلى “تسهيل الاتصالات بين المعارف والأصدقاء من دون شرط الانتقال الفعلي”، وبات من الممكن تيسير مفهوم “العمل بأجر من دون شرط التزام أماكن العمل التقليدية”. فالأعمال التي يمكن إنجازها عبر شبكة الإنترنت والقابلة للتنفيذ في أي وقت من دون شرط التقيد بوقت محدد “أصبحت أوسع انتشاراً”.

آثار إيجابية

ووجدت الدراسة، أن أبرز الآثار الإيجابية للعمل عن بعد، لا سيما في المجالات المعتمدة على الهواتف النقالة، مثلاً هو “تخفيض وقت وتكلفة التنقّل، وزيادة وقت العمل”، مع إعطاء الموظفين “قدراً أكبر من الاستقلالية”، ما يؤدي إلى “مرونة في العمل”، وقدرة أكبر على “تنظيم الوقت”، وتحقيق هامش أكبر من “التوازن بين العمل والحياة”.

كما أنّ هذا النوع من العمل يوفّر المساحات المكتبية، وهو ما يوفر المال أيضاً لصاحب العمل، وعلى الرغم من الآثار السلبية المتراوحة بين قلة التفاعل الشخصي وتداخل الحياة الشخصية مع المهنية للأشخاص غير القادرين على الفصل بين هذه وتلك، فإنه في مثل هذه الأوقات الصعبة، حيث انتشار فيروسات خطيرة تعد نقطة في بحر فوائد العمل من البيت.

لكن، عديدٌ من البيوت في هذا الجزء من العالم “غير مؤهل” أو مجهز ليكون بيتاً صديقاً للعمل. “سميّة” وزوجها “صلاح” موظفان في مصلحتين حكوميتين. كلاهما لا يذهب إلى العمل منذ أيام خوفاً من “كورونا”. “مرضية” أو “عارضة” أو “سنوية” هكذا يصنفان الإجازة التي على ما يبدو لن تؤثر كثيراً لا في تقاريرهما المهنية أو رصيدهما من العطلات.

“المسألة فلكسيبل” (مرنة) هكذا يصنفها كلاهما. ثقافة العمل الحكومية في مصر تحوي كثيراً من المرونة وقليلاً من الالتزام. صلاح مثلاً، على سبيل المثال لا الحصر، يتوجّه إلى عمله صباحاً، يوقع “حضور”، ثم ينصرّف ليعمل بضع ساعات على السيارة الأجرة التي يمتلكها، وقبل وقت الانصراف بقليل، يعاود إلى العمل حيث يوقع “انصراف”، ثم يمرّ على “المدام” ليعودا أدراجهما إلى البيت.

 

السيستم وقع

جانب من عمل صلاح وسمية المكتبي يجرى إنجازه بين الحين والآخر على جهاز كمبيوتر. تقول سمية، “السيستم يقع (تتوقف الشبكة) أحياناً فننجز العمل يدوياً، وحين تعود الشبكة ننقل ما كتبناه باليد إلى الكمبيوتر”.

تفكّر كثيراً قبل أن ترد على السؤال المفاجئ: ماذا تفعلين لو طُلِب منكما العمل من المنزل؟ قالت: “الأمرُ لا يستحق”، وتشرح سمية ما تقصد بقولها إنّ عملها لا يستغرق سوى بضع ساعات، ثم إنه لا يوجد مكان مناسب في البيت للعمل. “الأبناء يذاكرون في غرفة السفرة، والإنترنت ليس متوفراً طوال الوقت. لكن لو الأمور ساءت أكثر، فأعتقد أن عملنا قابل للتأجيل شهراً أو شهرين”.

قابلية العمل التأجيل شهراً أو شهرين تعني أنّ العمل ليس محورياً أو ضرورياً أو أساسياً لجهة العمل، لكنه بالطبع أساسي إلى العامل لأسباب تتعلق بالراتب. وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية هالة السعيد كانت أشارت قبل أشهر إلى أنّ عدد العاملين في الجهاز الإداري في الدولة يبلغ 5،4 مليون موظف، بواقع موظف لكل 20 مواطناً. (المتوسط العالمي يبلغ موظف لكل 70 مواطناً).

وأضافت السعيد، أن البعض من العاملين في الهيكل الإداري للدولة لم يحظَ بقدر وافر من التدريب والتأهيل. ويبدو أن هذا الوضع يكشّر عن أنيابه في مثل هذه الظروف الصعبة، التي قد تستدعي توسعاً غير مخطط مسبقاً لـ”العمل من المنزل”.

فجوة رقمية وأخرى ثقافية

الفجوة الرقمية ومعها الفجوة الثقافية تفرضان نفسهما هذه الأيام كما لم يحدث من قبل. يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، “الهيكل الثقافي في مصر مختلف من ألف إلى يائه في ما يتعلق بمنظومة عمل مثل (العمل من المنزل). في بريطانيا مثلاً، أعلنت الدولة أنّ من تظهر عليه أعراض مرضية سيحظى بإجازة مرضية من عمله”.

يشار إلى أنّ وزير الخزانة البريطانية ريشي سوناك أعلن حزمة من الإجراءات لتعزيز الاقتصاد، وتخليص بريطانيا من تفشي “كورونا”، بينها تمديد الإجازات المرضية المدفوعة الأجر.

ويتساءل سعيد عن مصير قرار كهذا لو طُبّق في ثقافات تسيء استخدام هذا الحق أصلاً! معروف أن كثيراً من دول العالم الثالث يعاني فوضى الإجازات والعطلات، لا سيما في قطاعات العمل الحكومية، حيث الأعداد كبيرة وأعلى مما يحتاجه العمل، والرقابة غير صارمة، وإساءة استخدام الحقوق على نطاق واسع من دون رادع.

“رادع الخصم من الراتب للمقصر والمهمل غائب في عديد من أماكن العمل بمصر، وهو ما يصعب تفعيل منظومة العمل من المنزل، التي تحتاج إلى أشخاص لديهم حدّ أدنى من الالتزام الذاتي، ولديهم إحساس بالمسؤولية، مع وجود طرق رقابة ومحاسبة فعّالة”، حسبما يقول صادق.

ويضيف، “الشركات والمؤسسات والمصارف الكبرى والمتعددة الجنسيات وحتى الصغيرة المبنية على أفكار وبُنى تحتية حديثة أكثر قدرة على تهيئة أجواء عمل جيدة من البيت. هذه الأجواء تحتوي على: موظف قادر على العمل من المنزل، ومدير قادر على إدارة العمل من المنزل هو الآخر، وتوافر بنية تحتية تتلخص في جهاز كمبيوتر واتصال جيد بالشبكة العنكبوتية، ومكان بسيط يصلح للعمل”. تبدو هذه المتطلبات “بديهية” للبعض، لكنها في واقع الحال غير متاحة لكثيرين.

إذن مسبق

يقول سعيد صادق، “توجد شركات ومؤسسات في مصر تطبّق مسألة (العمل من المنزل) منذ سنوات، وإن كان في ظروف لا تتعلق بوباء مثل الذي نتعرّض له. فوقت الخوف من إنفلونزا الخنازير، وبعدها أيام حظر التجوال في أعقاب أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، كان البعض يطبق (العمل من المنزل)، إضافة إلى جعلها إمكانية يستفيد منها بعض الموظفين في أحوال بعينها وبعد الحصول على إذن مسبق”.

لكن، الإذن المسبق يختلف بالتأكيد عن الاضطرار الفجائي، وفي الولايات المتحدة الأميركية مثلاً، تشير أرقام “مكتب الإحصاء الوطني” إلى أن 29 في المئة فقط من الأميركيين يمكنهم العمل من المنزل.

شركات مثل “أمازون” و”غوغل” و”تويتر” وغيرها طلبت من موظفيها بالفعل العمل من البيت. لكن، كم شركة في مصر طبيعة عملها وتركيبة موظفيها مثل هذه الشركات؟! وزارة القوى العاملة المصرية كانت قدّرت عدد عمّال البناء باليومية في مصر بنحو ثلاثة ملايين عامل. أحد رؤساء الأحياء في مصر كان قدّر عدد الباعة الجائلين قبل أشهر بستة ملايين بائع.

ملايين من عاملات المنازل، والنادلون والنادلات وسائقو الأجرة بأنواعها وغيرهم من الأعمال المعتمدة على وجود الشخص جميعها أعمال غير قابلة لـ”العمل من المنزل”. من جهة أخرى، فإنّ “العمل من المنزل” في هذه الحالات يعني “خراب البيت”.

وعلى الرغم من أنّ عدد مستخدمي الإنترنت في مصر يقدر بنحو 41 مليون مستخدم (حسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات)، وعلى الرغم من أن 93،48 مليون مصري يمتلكون هواتف محمولة، فإن ذلك لا يعني قدرة هذه الملايين على “العمل من البيت”.

 

متطلبات العمل من المنزل

وطأة “كورونا” تُجري تعديلات جذرية على سُبل ومفاهيم العمل بسرعة رهيبة وعلى مستويات غير مسبوقة في كل دول العالم بدرجات متفاوتة. لكن كثيرين يبحثون هذه الآونة عن “متطلبات العمل من البيت”، لتهيئة أنفسهم إن لزم الأمر، والأمر قد يلزم بين لحظة وأخرى.

مواقع الإنترنت ومقالات لا أول لها أو آخر متاحة على الإنترنت للاستفادة من نصائح الآخرين، الذين انتهجوا “العمل من المنزل” قبل سنوات. لكن النصائح العشرة الأبرز هي:

أولاً: الحفاظ على ساعات محددة للعمل، حتى وإن لم يطلب العمل ذلك، مع العلم أنّ هناك تطبيقات تخبر الموظف بعدد الساعات الفعلية التي عملها، وإن كانت في حدود المعقول أم لا.

ثانياً: وضع روتين صباحي للعمل يحتوي على الجلوس في مكان العمل المنزلي مع ممارسة طقوس العمل في الصباح سواء أكانت فنجان قهوة أو ما شابه.

ثالثاً: وضع قواعد أساسية لقاطني البيت من أفراد الأسرة حول الأماكن المسموح لهم التجوّل فيها والمواعيد… إلخ.

رابعاً: التزام مواعيد الراحة التي كانت متبعة في العمل وعدم اختصارها.

خامساً: تخصيص مكان ما في البيت للعمل وعدم تغييره حتى لو كان في المطبخ مسألة حيوية.

سادساً: يجب الحرص على حضور الاجتماعات الافتراضية حتى لو لم تكن إجبارية مع المشاركة الفعلية بإدلاء الرأي والتعبير عن المشكلات.

سابعاً: حتى أولئك المصنفين باعتبارهم غير اجتماعيين مع زملاء العمل، عليهم دفع أنفسهم ليكونوا اجتماعيين جداً معهم افتراضياً للإبقاء على الحسّ بالانتماء لأجواء العمل أطول فترة ممكنة.

ثامناً: الدراجات الثابتة أو أجهزة المشي والركض الثابتة فكرة رائعة للعمل من البيت، لا سيما أن مدة هذا النوع من العمل غير متوقعة.

تاسعاً: الإبقاء على اتصال مستمر مع المدير أمر ضروري.

عاشراً: الشعور بالعزلة سيحدث بشكل أو بآخر، تأخيره أو التخفيف من حدته، أو التعامل معه أولاً بأول مطلوب.

العزلة بعد النجاح

يشير مقال منشور في “ذو أتلانتيك” تحت عنوان “فيروس كورونا يخلق تجربة صعبة ومرهقة في العمل من المنزل” إلى أنه في عام 2016 أجرت وكالة سفر صينية يعمل فيها 16 ألف موظف وموظفة تجربة للعمل من البيت، فاختارت طريقة عشوائية مجموعة صغيرة من الموظفين يعملون من المنزل.

في البداية، أسفرت التجربة عن نجاحٍ كبيرٍ، وفّر الموظفون قدراً كبيراً من تكلفة الانتقال، وحقق أصحاب الشركة أرباحاً أعلى، وعمل الموظفون أكثر، وطلبوا إجازات مرضية وعارضة أقل، وعبّروا عن قدر أكبر من السعادة بتجربة العمل. لكن، حين عُممت التجربة على مستوى الشركة، حدثت فوضى عارمة. والسبب شعور الجميع بوحدة قاتلة وعزلة رهيبة.

لكن، وحدة مؤقتة للسيطرة على تفشي فيروس أهون بكثير من اختلاط قاتل، وعزلة محددة خير من تفشٍّ مميت. ويبقى “العمل من المنزل” اختياراً محدوداً يحدده نوع العمل والبنى التحتية وثقافة المسؤولية في العمل.

المصدر Independent Arabia
شاهد أيضاً