“بولو الصحراء”… لعبة الملوك التاريخية تحط رحالها في السعودية

وسط كثبان مدينة العلا المزينة بآثار التراث الشاهد على عمق حضارتها، تنطلق البطولة العالمية “بولو الصحراء” لتحيي واحدة من أقدم الرياضات الجماعيّة، بتنظيم سعودي للمرة الأولى، ضمن فعاليات مهرجان شتاء طنطورة منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي.

 

ويعد الحدث باكورة الموسم السنوي للمدينة التي تقع شمال غربيّ السعودية، حيث يتحضر أشهر اللاعبين العالميين للانخراط في منافسة صحراويّة مستلهمة من “بولو الثلج” الذي أقيم في مدينة سان موريتز السويسرية.

فكرة اللعبة

والبولو رياضة قديمة لعبها الفرس رجالاً ونساء على نطاق واسع منذ القرن السادس قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي، وتُلعب في فضاء كبير من قبل فريقين متعارضين، يتكوّنان من أربعة أشخاص يتنافسون على خيولهم لتسجيل الأهداف، باستخدام عصا خشبيّة ذات مقبض طويل يسهل عملية ركل الكرة نحو مرمى الفريق المنافس بدقة، وتستغرق مدة المباراة من ساعة إلى ساعتين.

حظيت البولو برعاية الملوك والنبلاء وتحولت إلى لعبة شعبيّة، بعدما كانت مقتصرة على وحدات مسلحة كحرس الملك أو القوات الأخرى، حتى صارت الآن مشهورة في جميع أنحاء العالم، وأكثر من 100 دولة عضو في اتحادها الدولي، في حين تمارس باحتراف في 16 دولة.

تلعب داخل حلبة محدودة، لكن بقواعد مختلفة نوعاً ما، إذ يملك كل فريق ثلاثة لاعبين فقط، وتكون المساحة رملية غالباً، وأصغر حجماً، وتمتاز بمناورات أكثر شراسة بسبب ضيق المكان، وتستخدم فيها كرة مصنوعة من البلاستيك، وعصا أقصر من نظيرتها في المسار العادي.

ترقّب

وتعد “بطولة العلا لبولو الصحراء” أول استحقاق رسمي للعبة يقام في السعودية بمشاركة فريق “لادولفينا الأرجنتيني” الذي يعتبر أكثر الأندية شهرة، إلى جانب نخبة من اللاعبين الدوليين للمنافسة على الكأس، والاستمتاع بمشاهدة المرتفعات الشاهقة، والتعرف إلى حضارة العلا التي يعود تاريخها إلى 4000 سنة.

في المقابل، قال رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للبولو عمرو زيدان في حديثه إلى وكالة الأنباء السعودية “نحن فخورون باستضافة هذا الحدث على أرض العلا، وسنعمل على تعزيز التغييرات التي نجريها لحوكمة هذه الرياضة، كما سيروج لجمال طبيعة المملكة المتنوعة”.

وتعتبر الأرجنتين الدولة الرائدة في هذه الرياضة على مستوى العالم، إذ مورست فيها لأول مرة عام 1877.
ويقول أدولفو كامبياسو، مؤسس نادي لادولفينا عن مشاركة فريقه في البطولة “أتطلع بفارغ الصبر لزيارة العلا، فقد أخذتني اللعبة في جميع أنحاء العالم ولكن هذه أول مرة ألعب فيها في موقع تراثي ضارب في عمق التاريخ ويحتضن الفروسية منذ آلاف السنين.”

 

وللمرة الأولى سيحظى الزوار بفرصة تعلم مبادئ رياضة الملوك القديمة ضمن برنامج تدريبي لمدة ساعة لعشرة أشخاص يومياً بحسب أسبقية الحضور، فضلاً عن مشاهدة منافساتها المحتدمة في موقع طبيعي ملهم طيلة أيام البطولة، ويستمر موسم شتاء طنطورة حتى السابع من مارس (آذار) 2020.

لمحة تاريخية

أقيمت أول مباراة مسجلة في التاريخ بين التركمان والفرس عام 600 قبل الميلاد، وفاز بها الفريق الأول، وفي القرن الرابع بعد الميلاد تعلم ملك الفرس سابور الثاني اللعبة وهو في السابعة من عمره، وفي القرن 16 أقام الشاه عباس الكبير في عاصمته أصفهان ملعباً.

انتشرت اللعبة بعد ذلك في بلدان الهند واليابان والصين ومصر والشام في عهد الدولتين الأيوبية ومن ثم المملوكية، إذ فضّلها نخب الأخيرتين على جميع الألعاب الرياضية الأخرى، ومن المعروف أن السلاطين البارزين كصلاح الدين وبيبرس لعبوها وشجعوا انتشارها.

نقلها المغول من فارس إلى الشرق، وكانت معروفة من قبلهم لدى الخليفة العباسي المقتدر، وفي القرن السادس عشر، ترسخت في الهند على يد الإمبراطور بابور، وشاعت في الصين واليابان قبل أن تخبو شعبيتها بعد اتصال الغرب بهذه الدول.

اكتشف البحارة البريطانيون اللعبة في مانيبور على الحدود الهندية مع بورما عام 1850، وأسسوا أول نادٍ لها في العالم في سيلشار غرب مانيبور، وما لبثت أن أنتشرت نوادٍ أخرى، وأقدمها ما زال فاعلاً وهو نادي كلكوتا الذي أسس عام 1862. وضع الإنجليز لها القوانين والأسس عام 1875 ومن ثم انتشرت بعد ذلك في أنحاء العالم، ويعود الفضل في إدخالها إلى الغرب للجنود البريطانيين الذين كانوا يعيشون في الهند.

قوانين اللعبة

ثمة قواعد معينة يجب اتباعها، وتتم مراجعتها ونشرها سنوياً من قبل الجهة المعنية في كل بلد، وتهدف إلى ضمان سلامة كل من اللاعبين والخيول بواسطة الحكام الذين يستعملون الصافرات في حالة حدوث المخالفة، وإيقاع العقوبة المحددة، ويتمتع اللاعب المدافع بمجموعة من الفرص لاكتساب الكرة، إذ يمكنه دفع الخصم خارج الخط أو سرقة الكرة منه، ولا يجوز للاعب أن يمس لاعباً آخر أو خيله عن قصد، وهناك أخطاء تؤدي إلى حصول الفريق المنافس على ضربة جزاء اعتماداً على شدة الخطأ ومكانه وخطورته.

الأحصنة المتنافسة

تُستخدم المهور كونها سريعة وقادرة على التحمل والمراوغة لما تتمتع به من خفةٍ تمكّنها من المناورة، ويُولى مزاجها اهتماماً بالغاً، والحرص على أن يظل الحصان مستجيباً تحت الضغط للتحرك للأمام والانعطاف والتوقف.

وغالباً ما يملك اللاعب أكثر من مهر لاستبداله خلال الأشواط تفادياً للتعب والإرهاق، ولذلك فالأحصنة المدربة جيداً تقود فرسانها للفوز، وعادة يبدأ تدريبها في سن الثالثة ويستمر نحو ستة أشهر إلى سنتين، وتصل معظم الخيول إلى مرحلة النضج الجسدي الكامل في سن الخامسة تقريباً، وتبلغ ذروتها في الألعاب الرياضية في سن 6 أو 7 سنوات، وعند عدم التعرض لحوادث قد تستطيع اللعب حتى عمر 18 إلى 20 سنة.

الأدوات المستخدمة

تشمل أدوات اللعبة، خوذة واقية مزودة بحزام وفقاً لمعايير السلامة المتعارف عليها، إضافة إلى قفازات اليدين وأحذية كرة القدم وأوقية الركبة والوجه، والنظارات الواقية، والسروج، ويلزم وجود قميص يميز فريق اللاعب، وليس خطوط سود وبيض مثل لباس الحكم، إضافة إلى أهم العناصر وهي الكرة الخشبية والعصا الطويلة.

وفي السبعينيات من القرن العشرين، أدخلت الكرات البلاستيكية لأنها أقل عرضة للكسر وأرخص، وتعتبر الكرة الحديثة، بعدما كانت تصنع قديماً من الخيزران والفلين المغطى بالجلد، والمطاط الصلب، وجذر الصفصاف، واستخدم البريطانيون كرة الكريكيت المغطاة بالجلد الأبيض.

أما عصا البولو فتتكون من عمود قصب مع قبضة ملفوفة بالمطاط، ويختلف وزنها ونوع خشبها بحسب تفضيلات صاحبها، ويعتبر وزنها عاملاً مهماً، وغالباً ما تستخدم اللاعبات مطرقة أخف من اللاعبين الذكور، وبالنسبة إلى بعضهم يعتمد طولها على حجم الحصان، وتجمع بينهما علاقة طردية، وآخرون يفضلون استخدام عصا بمقاييس موحدة، وفي كلتا الحالتين، يتطلب امتطاء خيول ذات ارتفاعات مختلفة بعض التعديلات من قبل المتسابق.

يذكر أن السعودية تحفل أخيراً، بفعاليات عالمية ضخمة تعكس التغييرات الجذرية على صعيد الانفتاح الفكري، الذي ألقى بظلاله على طبيعة الأحداث والكرنفالات التي تستضيفها مدن المملكة وسط ترحيب شعبي بارز، والتفات حكومي إلى أهمية استغلال المقومات التراثية والطبيعية.

المصدر Independent Arabia
شاهد أيضاً

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More