الجمعة 20 شعبان 1445 ﻫ - 1 مارس 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

لماذا تتنقل الساحرات على متن المكنسة؟ للقصة جذور حقيقية.. ومثيرة!

كثيراً ما كنا نشاهد في أفلام الكارتون أو الأفلام السينمائية الساحرات وهن يمتطين المكنسة اليدوية ويطرن بها من مكان إلى آخر.

لكن، ما السر وراء استخدام هذه الأداة بالتحديد في الطيران، للقصة جذور حقيقية.

ربما لأنهن نساء، ولأن المكنسة إحدى أدوات العمل المنزلي، المجال الذي كان وقفاً على النساء تماماً في القرون الوسطى!

الإجابة بطريقة أكثر جدية، هي أن هذه القدرة على الطيران متوارثة عن مكنسات الكهنة في الحضارة السلتية بغرب أوروبا، وهي مكنسات مصنوعة من خشب “الوزال”، القادر على اكتساب القدرات السحرية.

وهو أيضاً خامة غير متميزة، أتاحت لمن يشتغلون بالسحر إخفاء أنشطتهم غير المشروعة.

وعلى نحو سرّي، طورت الساحرات هذه الآلة الطائرة عن طريق التعاويذ السحرية والدهانات، غير أنهن لم يُخضعنها للاستعمال بصورة دائمة.

وكانت الساحرات يذهبن إلى اجتماع السحرة، حيث يمارسن السحر ويؤدين بعض الطقوس، على متن الخنازير البرية والتيوس والحيوانات الأخرى التي يرسلها الشيطان، أو ربما يذهبن عبر زوبعة من الهواء، كما كتب المؤلف الفرنسي جومنيك كامو في كتابه “القدرات الخارقة وأعمال السحر”، مشيراً إلى أن تصوير الساحرات على متن المكانس لم يبدأ إلا في القرن الخامس عشر.

حين توصف امرأة ما بأنها “فاتنة” و”ساحرة” باللغة العربيّة، فذلك للإشارة إلى أنّها فائقة الجمال، وأنّ حسنها يخبل العقول والحواس.

في لغات أخرى، مثل الإنكليزية والفرنسية، استخدامات لغويّة مشابهة، تخلط الجمال بالسحر والفتنة. ربما لأن الرواسب الثقافية والاجتماعية على اختلاف العصور والحضارات، خلصت للاعتقاد بأنّ للنساء “قوىً خارقة خطرة، وأنّ فيهنّ شرّ كامن”.

في معجم “لسان العرب”، تعني الفتنة “الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها مأخوذ من فَتَنْتَ الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد. ويسمى الصائغ الفتان وكذلك الشيطان. ويقال فُتن الرجل بالمرأة وافتتن إذا ولهته وأحبها، وإن ذهب ماله أو عقله”.

وفي “لسان العرب” أيضاً، يعني السحر “عملاً تقرب فيه إلى الشيطان وبمعونة منه، ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتى يظن المرء أن الأمر كما يرى، وليس الأصل على ما يرى. وسمى العرب السحر سحراً، لأنّه يزيل الصحة إلى المرض والبغض إلى الحب”.

في الأقاصيص الفلكلورية القديمة، من حضارات الشرق إلى الحضارة السلتيّة، ظهرت الساحرة كشخصية حليفة لقوى الشرّ، تتقن قولبة المعادن، ومحاكاة النجوم، التلاعب بالمصائر.

وساد في القرون الوسطى اعتقاد دينيّ بقي راسخاً لمئات السنين، بأنّ النساء “خادمات للشيطان، يثرن الرعب، ويزرعن الفتن”، فعوقبت عشرات الآلاف منهنّ بالحرق في الساحات العامّة.

وفي يومنا هذا، تشير تقارير المنظمات الحقوقية إلى أن الحرق وعقوبات أخرى تكون في انتظار من يدان بممارسة “السحر” في بعض الدول كالهند، وغانا، والسعودية.

مع حلول موسم هالوين كلّ عام، تخرج الفتيات أزياء الساحرات التنكريّة من الخزانة، بعدما باتت المشعوذة رمزاً للهو، وإن كان من باب ارتباطها بالرعب، والظلام، والموت.

رحلة الساحرة من الأعمدة المشتعلة في ساحات قرى ألمانيا وفرنسا قبل مئات السنين، مروراً بألعاب الأطفال وأزيائهم التنكرية، وصولاً إلى الانتاجات السينمائية، والتظاهرات النسوية، لم تكن رحلة سهلة على الاطلاق.

جنيّة المرويات الشعبية
من “ألف ليلة وليلة” إلى المرويات الشعبية، صوّرت القصص الخرافية المتداولة في المنطقة العربيّة منذ القدم، السحرة والساحرات، كخبراء بقراءة النجوم، وعلماء في المداواة، وحكماء، يضربون الرمال لمعرفة الغيب، ويفهمون كيمياء الأحجار والمعادن، يأمرون الجنّ، ويحوّلون مصائر الانس كما يشاؤون.

ولم تتناول تلك الأقاصيص السحر كطاقة خيّرة أو شريرة بحدّ ذاتها، إذ كانت وجهته تتبع مزاج الساحرة، ورغبتها في توظيف قوّتها لخدمة الخير أو للدمار، كما يوضح الأستاذ المختصّ بالفلكلور الاسلامي أولريخ مارزولف في مقالة بحثية بعنوان “الجنس والجريمة والسحر والغموض في ألف ليلة وليلة”.

ويضرب مارزولف مثالاً بالإشارة إلى شخصية الساحرة عقيلة في سيرة سيف بن ذي يزن الشهيرة. حيث تقرأ عقيلة مستقبل ابنتها في الرمال، وتعرف أنّها ستتزوّج الملك سيف، لذلك تسخّر قواها لمساعدته ودعمه.

في الوقت ذاته، تعطينا القصّة مؤشرات عن نزعة عقيلة للتلاعب بالرجال وإزاحتهم من طريقها، إذ أنّها تزوّجت ساحراً وقتلته، واستحوذت على تابعيه. وحين يصادق سيف ساحراً، تشعر عقيلة بالمنافسة، فتدبّر له مكيدة، وتقتله.

يتفاوت ذكر السحر في السير والمرويات الشعبية، إذ يخفت حيناً، ويبرز حيناً آخر، وذلك لتأثر الرواة بنظرة الإسلام السلبيّة عنه، وضرورة الايمان بأنّ الأقدار بيد الخالق وحده.

وحين تحضر المشعوذات والجنيات في القصّة، يظهرن غالباً كعنصر فتنة جنسيّة، باستثناء الحالات التي يوظّفن فيها قواهنّ لمساندة البنى الاجتماعيّة المقبولة، بحسب مارزولف. ومن تبقى قواهنّ خارج التدجين، بفعل الزواج أو الواجب مثلاً، فمصيرهنّ الموت في الغالب.

عفريتة الشاشات
خفت حضور الساحرة في الثقافة الشعبية العربيّة، كشخصيّة فلكلورية أصيلة. لكنّ الجنيّة تطلّ في بعض الأفلام المصريّة القديمة، كما في شخصية كهرمانة التي أدّتها سامية جمال في فيلم “عفريتة هانم” (1949)، والتي تساعد المغني عصفور (فريد الأطرش)، في تحقيق المال والشهرة.

كذلك استخدمت شريهان الخيال والسحر كمادة فنيّة في فوازير “ألف ليلة وليلة” التي أدّتها في ثمانينيات القرن الماضي

بخلاف بعض الإحالات الخافتة إلى الساحرة في الانتاجات الفنيّة العربيّة، تآلفت الأجيال معها من خلال الأفلام والمسلسلات الأمريكية، خصوصاً إنتاجات “ديزني” وأفلام الرعب وأعمال الفانتازيا مثل “ساحر أوز” الشهير.

تغيّر شكل تلك الساحرة ووظيفتها مع مرور الزمن. فهي العرابة الخيّرة حيناً، والخالة الشريرة حيناً آخر. هي المشعوذة القادرة على تنويم الأميرة لعشرات السنين، والأخطبوط الذي يسلب الحوريّة الصغيرة صوتها.

مع النجاح الكبير الذي حققته سلسلة أفلام هاري بوتر، باتت الساحرة شخصيّة ايجابيّة، خصوصاً من خلال دور هيرمايوني، التلميذة الذكيّة والساحرة القديرة، ولكن، في الوقت ذاته، المراهقة “العادية” التي تقع في الحبّ، وتتلهّف للحفلات الراقصة.

تصدّرت شخصيّة الساحرة كفتاة عاديّة تخفي قوىً خارقة، المشهد في التسعينيات، مع مسلسلات أمريكية حصدت نجاحاً كبيراً، مثل “بافي قاتلة مصّاصي الدماء” (1997-2003)، و”المسحورات/ Charmed” (1998-2006)، و”سابرينا الساحرة المراهقة” (1996-2003).

قبعة وقطّة ومكنسة
وعلى اختلاف وجوه الساحرة، في الإنتاجات الفنيّة وقصص الأطفال، بقيت بعض ملامح شخصيتها وهندامها موحّدة: قبعة سوداء طويلة ومسنّنة، رداء أسود، مكنسة، وقطّة سوداء. يضاف الى ذلك بشرة خضراء أحياناً، سنّ وحيدة تظهر من فكّها السفليّ، وشعر أبيض منكوش.

كيف تشكّلت هذه الصورة؟ وما هي رمزيتها؟

يعتقد أنّ أقدم ظهور للقبعة المسنّنة، يعود إلى قبعات مومياوات عثر عليهنّ في حوض تاريم في الصين. يرجّح أنّهن نساء عشن في القرن الرابع قبل الميلاد، ويعتقد أنّهن كنّ ساحرات أو مداويات.

هناك نظريات أخرى حول القبعة المسنّنة، ومنها ارتباطها بتصورات سلبية طاردت جماعات دينية في أوروبا خلال القرون الوسطى، ومنها اليهود، وجمعية الأصدقاء المسيحية التي اتهمت بالهرطقة.

لكن النظرية الأقرب للواقع حول مصدر تلك القبعات، يعود إلى زيّ صانعات مشروب الشعير في قرى أوروبا. وكانت نساء كبيرات في السنّ غالباً، يتولين صناعة البيرة منزلياً، في مزارعهن الريفيّة، وكن يرتدين قبعات مسننة.

ويربط بعض علماء الأنثروبولوجيا بين المكنسة، وطقوس الخصب الوثنية، إذ كان المزارعون في العصور الزراعية الأولى، يرقصون على المكانس أو أغصان أشجار مقطوعة، لدرّ الخصب على الزرع والمحاصيل. ومع الوقت ارتبطت المكنسة في الخيال الشعبي برغبات الساحرات الجامحة، وممارستهنّ للجنس مع الشياطين.

أما القطط، فكانت في القرون الوسطى، رمزاً للهرطقة، منذ أن أعلن البابا غريغوريوس التاسع أنّها مرتبطة بالسحر والشيطان، في العام 1233.

اعتبرت القطط حيوانات مستقلّة، ترفض أن تدجّن، تتآلف مع محيط البشر، من دون أن تتخلّى عن طبعها البرّي، لذلك كانت صنواً للنساء اللواتي يمتزن بخصال مماثلة، خصوصاً العجائز، اللواتي ابيضّ شعرهنّ، ويعشن وحيدات.

في مصر القديمة، عبد الفراعنة القطط بأشكال شتّى، وحنطوا قططهم الأليفة، ودفنوها معهم، حتى أنهم قدّسوا القطّة الأليفة تحت مسمّى الالهة باستت. وساد اعتقاد في العصور القديمة أنّ السحر نشأ في مصر، وكانت الالهة ايزيس كبيرة المشعوذات.

لغز الالهة الأم
في كتابه “لغز عشتار” (1985)، يتتبع الباحث السوري في تاريخ الميثولوجيا والأديان فراس السواح، أصول الديانات الأمومية، وارتباط الانسان الأول بوتيرة الطبيعة والفصول، وعبادته لإلهة أمّ واحدة بوجوه عدّة، قد يسميها إنانا أو عشتار في بلاد ما بين النهرين، أو أفروديت في اليونان، أو فينوس في روما القديمة، أو ايزيس في مصر.

بحسب السواح، تبعت عبادة الالهة الأم دورة القمر، وارتبطت كاهناتها بحركة النجوم. ومن خصال تلك الالهة، أنّها كانت روح الغاب، سيدة النبات والفصول، وسيدة السحر والشفاء، وإلهة للحياة الموت، وحاكمة للكواكب، وناسجة للأقدار.

يمكن أن نستخلص الكثير من وجوه الشبه بين تلك الالهة الأم في عصور البشرية الأولى، والنساء الحكيمات والمداويات والساحرات، كما عرفن في عصور لاحقة.

ويرى السواح في نظريته حول الديانة الأمومية القمرية الأولى، أنّ الديانات اللاحقة التي عبدت آلهة الشمس مثل بعل وزيوس ورع، وصولاً إلى الديانات السماوية، كانت انتصاراً للديانات الذكورية على روح الأم العظمى، واعلاناً لهزيمتها.

علامة الشيطان
يتطابق مصير الأم الأسطورية، مع مصير الساحرات في القرون الوسطى، كما أرّخ له عدد من الكتاب المهتمين بفهم ظاهرة “صيد الساحرات”.

ففي كتاب بعنوان “الساحرات” (2019)، تسرد الصحافية الفرنسية منى شوليه تاريخاً مفصلاً لظاهرة مطاردة الساحرات وحرقهنّ في أوروبا، بعد إقرار الكنيسة بأنهنّ يعبدن الشيطان.

أطلقت الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا بدءاً من القرن الخامس عشر، ما عرف بمحاكم التفتيش، لمعاقبة الهراطقة. وقبل تلك الحقبة وبعدها، ساد اعتقاد دينيّ بأنّ أي سوء يمسّ البشر، هو من صنع الشيطان، فتضخّم حضوره كثيراً في الخيال الشعبي، بضغط من المؤسسة الدينية.

ربما لم تكن النساء اللواتي اتهمن بالشعوذة، يعرّفن عن أنفسهنّ كساحرات على الأرجح، لكنّهن كن في أغلب الأحيان، المداويات، والقابلات، والعالمات. شكّلن بذلك قوّة معرفيّة، في وجه سلطة رجال الكنيسة الذين أرادوا احتكار المعرفة والشفاء والحكمة.

هكذا، تشكّلت أسطورة الساحرة التي تمارس طقوساً سريّة يوم السبت، والمرأة التي تحمل علامة الشيطان على جسدها. وصحيح أنّ تلك الفكرة نشأت في العقل الديني، لكن من تولّى تسويقها ومعاقبة النساء على أساسها، كانوا القضاة والأعيان المدنيين.

وانتشرت في تلك الفترة مهن مثل متعقبي الشياطين، والمحققين مع الساحرات، وكان يكفي لأي امرأة أن تخالف السائد، أو أن تظهر أي شكل من أشكال الاستقلال أو التمرّد، أن تحرق بتهمة السحر، بحسب منى شوليه.

تناولت أفلام كثيرة تلك المرحلة، لكنها نادراً ما تحيط بكافة جوانب العنف التاريخي الذي لحق بعدد كبير من النساء، يتراوح بين 40 و80 ألفاً، بحسب الروايات.