استمع لاذاعتنا

من الهواية إلى المرض… بين التجميع والاكتناز: خطّ أحمر!

حبّ اقتناء الأشياء وتجميعها من طبيعة البشر. إذ إنّنا نسعى لامتلاك كمّ لا يُستهان به من الأغراض والمقتنيات التّي تشكّل مصدر «ثروتنا» المادّيّة أو حتّى المعنويّة، بمعنى أنّنا نحاول الحصول على كلّ ما من شأنه أن يؤمّن راحتنا ورفاهيّتنا واستقرارنا، أو ببساطة أكثر، كلّ ما يسعفنا في حياتنا العمليّة اليوميّة.

فقد يتمتّع البعض بهواية التجميع، التّي تتدرّج من مجرّد لذّة، ليصلوا أحياناً إلى الاحتراف، ودخول موسوعة «غينيس» للأرقام القياسيّة!
ولكن أحياناً قد يُقلب السّحر على السّاحر، لتتحوّل الهواية إلى نقمة، لا بل الى مرض!
فالاكتناز – أي حبّ التّجميع اللاإراديّ – هو «مرض» الجمع المفرط للأشياء وعدم القدرة على التّخلّص منها…
ولا بدّ من التّنويه بالفارق الشّاسع ما بين الهواية المحبّبة إلى قلوب الكثيرين، والإفراط في تكديس الأشياء، الضّروري منها وغير الضّروريّ، الذّي هو بلا شكّ حالة نفسيّة مرضيّة تنعكس سلباً على صاحبها!

تشرح الاختصاصيّة في علم النّفس زينة نجيم عن مرض الاكتناز، عارضةً الفارق ما بين هواية التّجميع ومرض التّكديس. كذلك تتطرّق إلى المسبّبات والعوارض والعواقب، بالإضافة إلى الحلول. كما ونسلّط الضّوء على بعض الأشخاص المعروفين بحبّهم للتجميع وعدم استغنائهم عن أيّ من مقتنياتهم.

بين الهواية والمرض!
تقول نجيم: «لا بدّ في البداية من التّنويه بالفارق الشّاسع ما بين هواة التّجميع الذّين يحبّون امتلاك مجموعات كُبرى من غرض معيّن، وما بين المصابين بمرض الاكتناز العشوائيّ. إذ ترتكز هواية التّجميع أوّلاً على تصنيف الأشياء والتّعامل معها بحذر والاحتفاظ بها مرتّبة أو مرقّمة على رفوف أو في علب خاصّة أو داخل غرف مخصّصة لها. وغالباً ما تشمل الهواية صنفاً معيّناً من الأغراض. إذ يفضّل البعض تجميع الطّوابع، فيما يسعى آخرون إلى تجميع المجسّمات الصّغيرة… وغيرها من المقتنيات، مع الحرص على الاعتناء بها والاهتمام بترتيبها ونظافتها. أمّا المصابون بمرض الاكتناز القهري Hoarding، فيجمعون الأشياء بطريقة عشوائيّة، ويكدّسونها في أيّ مكان، لتتراكم عليها الغبار وتتآكلها العفونة أحياناً، من غير أن يلتفتوا إليها أو يحاولوا تصنيفها أو التّخلص من الفائض منها أو الاستغناء عن التالف أو البالي منها إذ يُقدم الشّخص على تجميعها لا إرادياً، حيث تتراكم في أيّ مكان في المنزل لتسود الفوضى، ما يخلق مناخاً غير صحّيّ على الإطلاق».

أعراض الاكتناز
تؤكّد نجيم أنّ «الذّين يعانون من مشكلة الاكتناز هم غالباً لا يدركون حالتهم المرضيّة تلك، ولا يشعرون بأنّ مشكلتهم حقيقيّة، بل يختلقون أعذاراً لأنفسهم أوّلاً، وللآخرين ثانياً، حول حاجتهم إلى الاحتفاظ بأغراضهم هذه، ليبرّروا عدم التخلّي عنها وضرورة وجودها. ومع الوقت، يصبح الاحتفاظ بالأشياء العديمة الجدوى الشّغل الشاغل للمصابين بهذه الحالة المرضيّة. إذ تنتشر الفوضى في أرجاء المنزل أو المكتب، وفي الحديقة أو الكاراج وحتى في السّيّارة، لتستحوذ «الخردة» على المساحة الأكبر. ما يؤدي الى صعوبة في الحركة في أرجاء المكان».
وتتابع نجيم: «قد يتعلّق البعض بالأشياء لدرجة منع الآخرين من لمسها أو تحريكها أو التّخلّص منها أو ترتيبها، ظنّاً منهم أنّهم سوف يحتاجونها لا محالة مستقبلاً لقيمتها الثمينة، مادياً أو وجدانياً، كونها مصدراً للذّكريات السّعيدة، أو لأنها تولّد شعوراً بالأمان… ويبقى الهدف دوماً «اقتناص الفرصة» للحصول على أكبر عدد من الأشياء».

صعوبات نفسية وإجتماعية
تؤكد نجيم أنّ لهذه الحالة المرضيّة سلسلة من العواقب التي يجب تداركها منذ البداية مخافة أن تتفاقم. فالشّخص الذي يعاني من هذه الحالة غالباً ما يجد صعوبة في إدارة النّشاطات اليومية وفي اتّخاذ القرارات وتنظيم الأمور، ما يؤدّي إلى تفاعل اجتماعيّ محدود مع الآخرين وعلاقات اجتماعيّة شبه غائبة ووحدة وعزلة. كما وقد يتهاون المرء في القيام بالمهمات اليوميّة التنظيفيّة، لتصبح مع الوقت عادةً، فيتخلّى عن الترتيب والتنظيف، وصولاً إلى تناسي الاستحمام حتّى، في الحالات المتطوّرة، ما يؤثّر في صحّته وسلامته، بفعل وجوده في بيئة غير صحّيّة، وتعرضه لمخاطر متمثّلة في التقاط أمراض مختلفة». إذ قد يعاني البعض هوساً في تجميع الأغراض من دون التعرّض للضّرر أو الأذيّة، فيما تتأثّر حياة القسم الأكبر لا محالة، ما قد يصل إلى حدّ الضّرر الذاتيّ.

عوامل محفّزة
تقول نجيم: «غالباً ما يبدأ هذا السّلوك في عمر المراهقة المبكرة، عبر رفض التّخلّي عن أقلام مكسورة وأوراق مدرسيّة قديمة وألعاب محطّمة، وصولاً إلى البدء بتجميع كلّ أنواع الخردة «الثّمينة» في نظرهم، لتتطوّر الحالة مع العمر وتزداد سوءاً. إذ قد يعمد البعض إلى شراء الأغراض أو طلبها من الآخرين. كما أنّ الذين يعانون من تاريخ عائليّ مع هذه الحالة المرضيّة يكونون أكثر عُرضة للإصابة بها، بالإضافة إلى الذّين يعانون من مشاكل مؤلمة في حياتهم ولا يستطيعون التّكيّف معها، مثل حالات الطّلاق أو الموت أو فقدان ممتلكات في حريق. كما أنّ المدمنين والذين يعانون من الكآبة أو القلق أو التّردّد، معرّضون أيضاً للإصابة بمرض الاكتناز، وإن بدرجات متفاوتة».

علاجات وحلول
ليس من السّهل الاعتراف بأيّ علّة أو اللّجوء إلى طلب المشورة. فكيف بالحري إذا كان الأمر متعلّقاً بسلامة الإنسان النّفسيّة؟ تشير نجيم الى «التّقييم النّفسيّ لهذه الحالة المرضيّة يرتكز على سمات عدّة. إذ يتمّ الاطّلاع على سبب الرّغبة في امتلاك عدد كبير من الأغراض العديمة الفائدة وعدم القدرة أو الرّغبة في التّخلّص منها. كما يتمّ الاستعلام عن حالة المنزل المزدحم والفوضويّ، ما يشكّل عبئاً وخطراً على السّلامة الشخصيّة والصّحة العامة. ويُصار بالطّبع الى تشخيص وتقييم حالات الإحباط التي يُصاب بها المرء في حال حاول أحدهم ترتيب الأغراض أو التخلّص منها».

تؤكّد نجيم أنّ في هذا النوع من العلاجات تحدياً كبيراً، بحيث لا يدري الشّخص المصاب بالحالة المرضيّة هذه، مدى تأثيرها في حياته، ولا يدرك حاجته الى العلاج! موضحةً: «يتنوّع العلاج ما بين علاج سلوكيّ معرفيّ إدراكيّ في جلسات مع اختصاصيّ في العلاج النفسيّ، وما بين علاج دوائيّ».

نمط حياة متوازن
خطوات التّماثل إلى الشّفاء تتجلّى أيضاً في عيش نمط حياة صحّيّ ومتوازن، اجتماعياً، عائلياً، عاطفياً وشخصياًّ. إذ تؤكّد نجيم أنّ «التواصل مع الآخرين وبناء علاقات سليمة مع الناس المحيطين من شأنهما أن يرفعا من معنويّات المرء، ويجنّباه «الإدمان» على تجميع الأغراض للشعور بالأمان والاستقرار. كما أنّ المحافظة على النّظافة الشّخصيّة أوّلاً، ونظافة البيت أو المكتب أو السّيّارة ثانياً، تولّد شعوراً بالرّاحة، ويكافئ المرء من خلالها ذاته لأنه يستحقّ بيئة نظيفة تحيط به».
فالخطوات اليوميّة الصّغيرة تخلق كلّ الفارق، والمساعدة التي نتلقّاها من الآخرين تدعمنا وإن معنوياً للمضيّ قُدُماً في حياتنا الصحية والإيجابيّة.

حالتان من الحياة الواقعيّة
قد نتفاجأ بأنّ بعض المحيطين بنا «مدمنون» على تجميع «الخردة» أو الأغراض التي لا تعود عليهم بالنفع. وهؤلاء منتشرون في المجتمعات، ولكلّ واحد خلفيّة معيّنة ينتمي إليها، أو محنة مرّ بها أو عادة أدمن عليها، حتى وصل به الأمر إلى ما هو عليه اليوم. فهم لا يدركون أنّهم يقترفون ذنباً بحقّ أنفسهم أوّلاً، أو يقومون بعمل خاطئ ويحتاجون الى المساعدة لتخطّيه. وما هذه الأمثلة إلا لتسليط الضّوء على عيّنة من الأشخاص في مجتمعاتنا. ويبقى الهدف التّوعية طبعاً وليس التجريح أو الشّماتة.
سامية ل. أرملة ميسورة الحال، تعيش وحيدةً وأولادها في بلد الاغتراب. وهي تحبّ جمع الأشياء من كلّ حدب وصوب، علّها تحتاجها في يوم من الأيام. كما أنها لا ترمي الأشياء المكسورة أو التذكارات ولا حتّى القناني والأوعية الفارغة، وإن لم تستعملها. فبيتها كبير بحسب قولها ويتّسع للكثير. لكنها في المقابل، أهملت عامل التّرتيب والنّظافة من حيث لا تدري، لأنها لا تعلّق على هذه الأمور كثيراً، بل تفضّل الذّهاب إلى الأسواق الشّعبيّة لشراء كلّ ما قد يعجبها أو يستهوي ذوقها في التجميع. وهي لا تجد مبرّراً للتخلّي عن أيّ غرض، أو حتى لتوضيب الأمور في خزانات أو رفوف أو جوارير، لأنها تريدها في متناول يدها متى احتاجت اليها.
عادل ش. رجل تعرّض في صباه لمشكلة صحّيّة أبعدته عن المجتمع والأصدقاء وبات شبه منعزل عنهم. لكنه ينزل إلى شوارع العاصمة بهدف بيع أو شراء «الخردة» التي يعتبرها مصدر رزق له، مع العلم أنه ميسور الحال. يحبّ أن تبقى أغراضه على مرأىً منه، فنراه يجمعها في غرفة نومه وحول بيته، بطريقة فوضويّة أدّت إلى نفور الجيران منه، لتتدهور بعدها حال البيت المزري بفعل الإهمال وليس الفقر. وقد حاول العديد من أقاربه أخذه لتلقي العلاج، لكنه سرعان ما يستسلم ويعود إلى عاداته القديمة، مُهملاً نظافته الشّخصيّة وترتيب بيته وأغراضه.
ولا بدّ من التنويه بأنّ هؤلاء الأشخاص لا يعترفون مطلقاً بأنهم يعانون من مشكلة، بل يعتبرون أنهم مرتاحون على هذا النّحو، طالما أنّهم لا يسبّبون الإزعاج أو الأذى لمن حولهم.

كتابة : دينا الأشقر شيبان