السبت 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 6 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ألتينا.. قصة بلدة ألمانية جعلتها الهجرة نموذجاً للأمل والانقسام

كانت ألمانيا تواجه مصاعب في التعامل مع تدفق أكثر من مليون مهاجر عليها قبل عشر سنوات، لكن بلدة ألتينا الصغيرة رأت في الهجرة فرصة لها لتغيير مسار التراجع الاقتصادي وانخفاض عدد السكان الذي عانت منهما لسنوات.

وتصدرت البلدة الصناعية الواقعة في غرب ألمانيا عناوين الصحف في 2015 عندما تطوعت لاستقبال 100 مهاجر أكثر من المقرر لتصبح نموذجا لتعهد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل التي قالت “يمكننا القيام بذلك”.

لكن وبينما كانت هناك فوائد لكلا الجانبين، قال ثلاثة مسؤولين حاليين وسابقين في البلدة لرويترز إن الهجرة لم تكن حلا سحريا لأزماتها.

وأضافوا أنه بمساعدة السكان الذين احتشدوا لدعم الوافدين الجدد، وجد العديد منهم منازل وبدأوا في المساهمة في الاقتصاد المحلي. لكن البعض انتقل إلى مدن أكبر توفر مزيدا من فرص العمل والتعليم.

وقال مسؤولون إن آخرين وجدوا صعوبة في التغلب على الحواجز اللغوية والثقافية، مما زاد من ارتفاع تكاليف الرعاية الاجتماعية في بلدة يعاني سكانها من الشيخوخة.

ويشكو بعض السكان المحليين الآن من ارتفاع عدد اللاجئين وطالبي اللجوء بشدة. وتظهر نتائج الانتخابات الأخيرة دعما متزايدا لحزب البديل من أجل ألمانيا المناهض للهجرة، يغذيه الإحباط من ارتفاع تكاليف المعيشة واستنزاف المالية العامة وتداعي البنية التحتية.

وقال توماس ليبيج، الباحث في شؤون الهجرة الذي ساهم في إعداد تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 2018 عن جهود ألتينا لدمج اللاجئين “نصف الكوب ممتلئ ونصفه فارغ. وجد العديد من اللاجئين وظائف لكن التماسك الاجتماعي لم يتحقق بعد”.

* استقبال حار

تقع ألتينا وسط تلال تكسوها الأشجار مما يمنحها منظرا خلابا، وهي مركز صناعي منذ العصور الوسطى.

وتصف المدينة الواقعة على ضفاف نهر نفسها بأنها مهد إنتاج الأسلاك. لكن رئيس بلديتها السابق أندرياس هولشتاين قال لرويترز إن مصانع الحديد المحلية وجدت صعوبة في الحفاظ على قدرتها التنافسية خلال العقود القليلة الماضية، مما قضى على ثلث وظائفها. ولم ينجُ سوى قطاع الأسلاك الفولاذية الذي يعمل بواسطة الآلات إلى حد بعيد.

وبحلول 2015، كانت ألتينا واحدة من أسرع البلدات تناقصا في عدد السكان بغرب ألمانيا، إذ بلغ قاطنوها زهاء 17 ألفا، أي أكثر بقليل من نصف ما كانت عليه في السبعينات، وفق بيانات البنك الدولي.

وقال المسؤولون إن انخفاض القاعدة الضريبية أضر بموارد البلدة المالية، مما جعل من الصعب الحفاظ على استمرار عمل المرافق الأساسية. وأغلقت المدارس بسبب عدم وجود عدد كاف من الطلاب لملء الفصول الدراسية.

وعندما اقترح هولشتاين استقبال مزيد من اللاجئين وطالبي اللجوء أكثر من حصة البلدة البالغة 270 في 2015، كان هناك دعم واسع من أعضاء المجلس المحلي.

وقالت أنيت ويسمان، مفوضة الاندماج في ألتينا “كان استقبال العائلات يعني أننا نستطيع ملء المساكن الفارغة وإعادة فتح الفصول الدراسية وجلب حياة جديدة للبلدة. كان ذلك مكسبا للجميع”.

وكانت المدينة استوعبت بالفعل موجات من العمال المهاجرين، بمن فيهم إيطاليون وأتراك، في الستينات للعمل بمصانعها. وأرجع هولشتاين لذلك اعتياد السكان المحليين على العيش جنبا إلى جنب مع جيران من ثقافات ولغات مختلفة.

وأطلع مقدمو رعاية محليون العائلات والأفراد من اللاجئين على تفاصيل الحياة والثقافة. وتطوع العديد من السكان للمساعدة، وجمع التبرعات لحزم الرعاية وتأثيث المنازل للوافدين الجدد، ومرافقتهم إلى المواعيد الطبية والمساعدة في الأعمال الورقية.

وبالاستفادة من معدل الوظائف الشاغرة المرتفع، أسكنت البلدة الوافدين الجدد في شقق بدلا من أماكن إيواء. وأفاد تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن ذلك ساعد على دمجهم في المجتمع.

وتتذكر دوروثي آيزنبيك (81 عاما) وهي واحدة من المتطوعين الأوائل “وضعنا الدمى هناك من أجل الأطفال. تولت مجموعة من المسنين تزيين الشقق، لذلك شعروا بأنهم موضع ترحيب”.

وبحلول 2024، كان ما يقرب من نصف الوافدين الإضافيين المئة في 2015 لا يزالون يعيشون في ألتينا، بينما انتقل معظم الباقين إلى مدن أكبر وقرر عدد قليل من العراقيين العودة إلى ديارهم.

ومن بين أولئك الذين بقوا همام جبوري، وهو لاجئ عراقي يبلغ من العمر 34 عاما وصل بالحافلة في أكتوبر تشرين الأول 2015. وقال إنه لم يكن لديه أي فكرة عما يمكن توقعه، لكن الترحيب الحار خفف من مخاوفه.

* صعود حزب البديل من أجل ألمانيا

لم يكن الجميع مُرحبا باستقبال اللاجئين. فبعد قليل من وصول أول دفعة منهم عام 2015، أشعل رجل إطفاء النار في مبنى يؤوي لاجئين. ولم يصب أحد بأذى في الحريق المتعمد.

وبعد عامين، نجا رئيس البلدية هولشتاين من هجوم بسكين قال منفذه إن دافعه كان سياسة هذا المسؤول تجاه اللاجئين.

مع ازدياد عدد المهاجرين الوافدين سنويا، بدأ توجه بعض السكان تجاه اللاجئين يتغير.

وقالت هانيلور فيندلر من أمام أحد متاجر البقالة “لم يعد أحد يتحدث الألمانية تقريبا. كل الناس هنا أجانب. لا أتخذ أي موقف مناوئ للأجانب، فجميعهم بشر لكن الأمر زاد عن الحد”.

ساهم الغضب من سياسة ميركل المنفتحة على المهاجرين، وكثير منهم فارون من الحرب والفقر في الشرق الأوسط وأفريقيا، في صعود حزب البديل من أجل ألمانيا الذي صار الآن حزب المعارضة الرئيسي في البلاد.

فاز الحزب بنحو 24 بالمئة من الأصوات في ألتينا خلال الانتخابات الاتحادية التي جرت في فبراير شباط، ارتفاعا من نحو 10 بالمئة في عامي 2017 و2021.

قال كلاوس لاتش، زعيم الكتلة البرلمانية لحزب البديل من أجل ألمانيا في مجلس منطقة ميركيشر كرايس الذي يضم ألتينا، “ألتينا مثال ساطع على فشل الدمج والسياسات المتعلقة بالمهاجرين”.

وأضاف “في كل مكان حولنا… الوضع يتدهور”، مشيرا إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وإغلاق شركات وتناثر القمامة في الشوارع وضعف خدمات النقل. وأردف قائلا “يواجه المواطنون هذه المشاكل يوميا، ويلاحظون أن وعودا سابقة لم تُنفذ أبدا”.

ومنحت الحكومة الاتحادية في عام 2017 ألتينا جائزة تقديرا لمساهماتها في استيعاب اللاجئين في ألمانيا.

لكن عدد السكان استمر في الانخفاض. وبيانات مكتب الإحصاء الحكومي تشير إلى أنه بحلول نهاية 2024 بلغ عدد السكان ما يزيد قليلا عن 16600 نسمة، أي أقل أربعة بالمئة عن 2015.

وتحسنت أوضاع المدينة المالية، غير أن هولشتاين قال إن ذلك يعود إلى تخفيضات الإنفاق وزيادة الضرائب وتعافي صناعة الصلب المحلية بدرجة أكبر من ارتباطه بالعدد القليل نسبيا من المهاجرين الذي آثر البقاء.

ويقول مسؤولون إنه على الرغم من مغادرة بعض المهاجرين يستمر وصول آخرين.

ويقول هولشتاين إنه لا يزال مقتنعا بأن ميركل كانت على حق.

وأردف قائلا “لكن المنتقدين على حق أيضا إذ لا تستطيع ألمانيا استيعاب هذه الأعداد إلى ما لا نهاية”.

    المصدر :
  • رويترز