الخميس 17 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

بالفيديو: ما لا تعرفونه عن "فخ السفن" قتلت اللبنانيين ودمرت موريشيوس

تعتمد دول العالم في مداخيلها على الاستيراد والتصدير بشكل أساسي وذلك من عبر وسائل النقل البري والبحري والجوي، ولكن يعتبر النقل البحري أساس في عملية الاستيراد والتصدير وذلك لصعوبة نقل جميع البضائع والمنتجات عبر الجو لا سيما النفظية منها، بسبب خطورتها وحساسيتها .

ويعتبر النقل البحري عبر السفن من أقدم وسائل الاستيراد والتصدير، ولعل سعة السفينة، سرعتها وارتفاع معايير الأمان والسلامة فيها من أهم المزايا التي تطورت علي مر الازمان لتلبية احتياجات الدول الساعية للحاق بركب التكنولوجيا والتقدم العالمي على كافة الأصعدة. وفي المقابل يدفع العالم ضريبة هذا التطور من خلال ازدياد نسب التلوث ومسبباته، وذلك بالنزامن مع زيادة الطلب على المنتجات النفطية والمتفجرات والمواد الكيميائية الخطرة.

ومن بين أسوأ الازمات التي أحدثتها السفن في البحار هما كارثتي انفجار بيروت في 4 آب الذي دمر العاصمة اللبنانية بسبب سفينة “روسوس” المحملة بأطنان من مادة الأمونيوم، وكذلك كارثة موريشيوس التي تسببت بها ناقلة نفظ يابانية في 24 تموز، حيث غرقت السفينة قبالة الجزيرة وتسرب منها حوالي ألف طن من زيت الوقود، ما أدى إلى تدمر الجزيرة وإحداث كارثة بيئية يحاول الاهالي معالجتها بوسائل بدائية وذلك بسبب عدم معرفة المسؤول عن الجريمة.

لعل ما يجمع الأزمتين على حد سواء هو سوء تنظيم النقل البحري، إلى جانب عدم معرفة المسؤول عن الجريمتين، لكن ما علاقة “بنما”؟ ومن يتحمل المسؤولية، هل صاحب السفينة أو المستأجر أم الدولة التي يطبّق قانونها على السفينة المسجلة تحت علم يربطها بإدارة بحرية؟

بنما، الدولة التي غالبا ما يرتبط اسمها بكل ما هو مبهم ومجهول، بالصفقات المشبوهة والاموال الغير شرعية، وكذلك بالسفن “الكارثية”، واللافت في الأمر أن 20% من مالكي السفن حول العالم لجأوا إلى تسجيل سفنهم في “بنما”. لكن ما السر في هذه الدولة؟

يختار مالك السفينة دولة “بنما” لأنها ببساطة “متساهلة جدا”، ولا يحتكم المالك إلى الكثير من القوانين، حتى يمكنه أن يكون مجهولا، كما أنه يوفر الاموال ويوظف عمالة أجنبية رخيصة ويتهرب من المسؤوليات ويستطيع شحن أي شيء يريده ويفعل ما يحلو له بدون أي رقابة تذكر، وهذا تماما ما أدى إلى وقوع الكوارث التي لا يبدو أنها الاخيرة، في ظل وجود سفينة “صافر” العائمة على شواطئ اليمن والتي تنذر بكارثة حقيقية لا تقل عن سابقاتها ما لم يتم تدارك الأزمة قبل فوات الاوان.

وفي العودة إلى التفلت في النقل البجري والذي غالبا ما يحدث الكوارث، فإن السفينة التي دمرت شاطئ موريشيوس، كانت متجهة إلى الجزيرة لبضعة أيام فقط، لكن بدون علم أحد ! إلا أن اصطدامها بالشعاب المرجانية لم يكشف أمر السفينة وحسب، بل خلّف كارثة بيئية لا يصدقها عقل بسبب تسرب أطنان من زيت الوقود في واحدة من أندر أشكال الحياة البحرية في العالم حيث تعتبر جزيرة موريشيوس واحدة من أجمل الجزر على الإطلاق “سابقا”.

ولعل أسوأ ما يواجه السكان المحليين للجزيرة بأنه “لا يوجد مسؤول عن الجريمة” يستطيعون إدانته لتحصيل التعويضات مقابل الكارثة البيئية والاجتماعية التي تركتها السفينة على الشاطىء، لا سيما أنه مصدر دخلهم خلال المواسم السياحية التي يعتمدون عليها، ولعل هذا ما دفعهم إلى القيام بمبادرات فردية لتنظيف الشاطىء على أمل استعادته كما كان قبل أن تتسرب إلى جوفه أطنان من زيت الوقود!.

أما في بيروت فالأزمة متقاطعة بعدة أوجه، لكن الأضرار لم تقتصر على البيئة والدمار الذي أحدثه انفجار أكثر من 2000 طن من نيترات الامونيوم، بل تعدى إلى إحداث كارثة بشرية، لا زال جرحها نازفا في صدور الأهالي الذين ودعوا ما لا يقل عن 200 قتيل ووقوع آلاف الجرحى.

“روسوس”، السفينة التي نقلت نيترات الامونيوم إلى بيروت وهي من أسوأ السفن التي يمكن أن تنقل أي مادة أو منتج مهما كان آمنا، فكيف إذا كانت المادة هي “الأمونيوم”!. وبطبيعة الحال قام مالك السفينة بتركها في بيروت لعدة سنوات بسبب عطل في السفينة، لتتحول بعد سنوات من تخزين موادها بطريقة غير آمنة إلى قتل المدنيين وترويع الأهالي في انفجار أقرب إلى النووي، قضى على ما تبقى من لبنان في أسوأ أزمة اقتصاديه تمر عليه منذ تأسيسه.

إلى نقطة الصفر مجددا، من هو المسؤول عن كارثة العصر التي حدثت في بيروت؟ لا سيما أن السفينة مسجلة تحت علم مولدوفا التي لم تصدق على اتفاقية العمل البحري، بينما يعمل مالكها من قبرص مع شركة مقرها في جزر مارشال المعروفة بأنها من بلاد “علم الملاءمة” ومشغلها رجل أعمال روسي. .

ما هو “علم الملاءمة ؟”

علم الملاءمة هي عملية تسمح لمالكي السفن بالتهرب من الضرائب والقوانين في بلدانهم، والكارثة تكمن أن 70% من الاسطول مسجل تحت أعلام ملاءمة، وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على اننا في نفق مظلم، تديره وجوه مجهولة مسؤولة عن قتل المئات وتدمير البلاد، ومن أشهر الدول ذات الاعلام الملاءمة هي بنما وليبيريا ومالطا.

أدت الفوضى في النقل البحري وكذلك العقوبات المنخفضة وغياب الرقابة إلى كوارث بيئة، طبيعية وبشرية، وذلك على الرغم من وجود قوانين للنقل البحري الساعي للتطور على ضوء الأزمات المتعاقبة، والتي من المتوقع أن يولد عنها اتفاقيات تحد من التفلت الحاصل في البحار لوضع حد للكوارث، وعدم تكرارها في ظل وجود “مافيا” دولية تسهل عملية نقل الشحنات الخطيرة عبر سفن أبعد ما يمكن عن الامان وتعرض حياة الملايين للخطر.

تهدد السفن القانونية في الظاهر، والهشة على أرض الواقع، خطرا يوميا على سكان الأرض، فمن أجل توفير المال والتهرب من الضرائب فقط، يتم استخدام السفن المهترئة والغير آمنة على الإطلاق، في شحن مواد خطيرة، قتلت الشعب اللبناني في منتصف العاصمة بيروت، ودمرت بيئة وطبيعة موريشيوس الأخاذة.