
الدولار الأميركي والليرة اللبنانية
أقرّت الحكومة اللبنانية مشروع قانون الانتظام المالي، أو ما يُعرف بقانون الفجوة المالية، الذي يتألف من 7 أبواب و17 مادة، بعد إجراء تعديلات طفيفة عليه، على أن يتم تحويله إلى مجلس النواب بعد توقيع رئيسَي الجمهورية والحكومة، بحيث تبدأ لجنة المال والموازنة بدراسته وتحيله إلى الهيئة العامة.
الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي، الدكتور أنيس بو دياب، أجرى قراءة شاملة لهذا القانون، إيجابياته وسلبياته وتداعياته، ورأى في حديث لـ صوت بيروت إنترناشونال أن التعديلات التي طرأت على القانون أتت في إطار تحصينه وتحسينه وإضفاء بعض التوضيحات، ولا سيما لجهة عدم المساس بالذهب إلا عبر قانون صادر عن مجلس النواب، فضلًا عن تثبيت قانون المحاسبة العامة بعد التدقيق الجنائي.
وفي توصيفه للقانون، اعتبره بو دياب غير مثالي، لكنه الأكثر واقعية في ظل الظروف الراهنة، متحدثًا عن ثلاث سرديات في البلد:
الأولى تبنّتها المصارف، والتي تقول إن هذه الفجوة سببها السياسات المالية التي قامت الدولة بصرفها، وبالتالي يجب أن يكون سداد هذه الفجوة من الدولة عبر تسييل الذهب أو جزء منه.
الثانية يقودها المودعون، الذين يطالبون بأموالهم بغض النظر عن المسؤول عن صرفها، فالبعض يحمل الفساد للدولة العميقة، والبعض الآخر يعتبر أن الجهاز المصرفي هو من قام بتبديد الأموال.
الثالثة تقول إن المصرف المركزي هو المسؤول عن الإفراط في الإنفاق، وإن الهندسات المالية هي سبب الأزمة.
ووفقًا لبو دياب، فإن هذا القانون هو قانون تسووي، لأنه لا يمكن أن يرضي جميع الأطراف الأربعة المعنية بهذا القانون وبالأزمة المالية والنقدية والاقتصادية، التي تعود فعليًا إلى العام 2011 مع بدء الحرب السورية. وهذه الأطراف هي: الدولة، مصرف لبنان، المصارف، المودعون، فضلًا عن صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، والمؤسسات المالية الدولية، لافتًا إلى أن هناك تضارب مصالح بين هذه الأطراف، “ولذلك لا بد أن يكون القانون على الأقل إما لا يرضي أحدًا أو يرضي الجميع”، مؤكدًا أن هناك استحالة لإرضاء جميع الأطراف.
وعن أهمية القانون، لفت بو دياب إلى أنه أتى ليوقف الخسائر، فالودائع تُستنزف منذ العام 2019، وخسر المودعون حوالي 30% من ودائعهم بفعل القيمة الحالية والقيمة المستقبلية للنقد، أي تراجع القدرة الشرائية للدولار. “ولذلك أتى هذا القانون لإيقاف هذه الخسائر وإعطاء المودع 100 ألف دولار خلال أربع سنوات، التي ستخسر حوالي 9 إلى 10%”.
وتحدث بو دياب عن أمر مهم تضمنه القانون، وهو المحاسبة واسترداد جزء من الودائع التي حُوّلت إلى الخارج قبل العام 2019، إضافةً إلى تراتبية احتساب الخسائر، بدءًا من الأموال الخاصة للمصارف وكبار المساهمين، وصولًا إلى المصرف المركزي والدولة.
وهنا تساءل بو دياب عن أمر يجب توضيحه لاحقًا، وهو نسبة الغرامات (30%) على الأموال المحوّلة إلى الخارج: هل ستكون جزءًا من صندوق استرداد الودائع لتحصين لاحق للسندات التي ستُعطى للذين يملكون ودائع أكثر من 100 ألف دولار؟
وشدد بو دياب على ضرورة عدم النظر إلى هذا القانون بمعزل عن قانون رفع السرية المصرفية وقانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، اللذين تم ربطهما بقانون الفجوة المالية.
وبالنسبة للسلبيات، تحدث بو دياب عن غموض يتعلق بتحديد حجم الدين بين المصرف المركزي والدولة، فالمركزي حدده بـ 16 مليارًا ونصف المليار دولار، إضافةً إلى 8 مليارات دولار حجم الدعم، فضلًا عن غموض يتعلق بكيفية استرداد الودائع بالعملة الوطنية وتقييمها، مشددًا على ضرورة توضيحها من خلال تعاميم أو غير ذلك، متسائلًا عن كيفية تحويل أموال الصناديق الضامنة وأموال الشركات، وكذلك مصير الأموال غير المشروعة، التي يجب توضيحها لإعادة الثقة للمستثمرين بالقضاء اللبناني والقطاع المصرفي، الذي يكون ذلك عبر أدائه في المستقبل.
ويشير بو دياب إلى أن هناك أمرًا محفوفًا بالمخاطر، وهو: كيف سينمو الاقتصاد، ولا سيما أن كلفة أول مئة ألف دولار هي 18 مليار دولار مؤمّنة من احتياطي المصرف المركزي وأموال المصارف والدولة، “لكن في السنة الخامسة، إذا لم يكن لدينا نمو اقتصادي، فمن أين ستؤمَّن الأموال؟”.
متوقعًا أنه في حال وصلت نسبة النمو إلى ما بين 5 و6%، سيكون هناك إمكانية لتقصير مدة استرداد الودائع بالسندات إلى ما بين 10 و20 سنة.
وهنا يشدد بو دياب على ضرورة أن تسعى الحكومات الحالية واللاحقة إلى العمل على رفع إنتاجية الاقتصاد كي يستطيع تمويل عملية استرداد الودائع، ولا سيما أن على الدولة تغطية 80% من قيمة السندات.