استمع لاذاعتنا

إدارة انهيار الجمهورية

الدعوات إلى الحوار بين مديري تفليسة الجمهورية صارت موضع تشكيك من قبل اللبنانيين، وموضوع مناكفات وتبادل تسجيل مواقف، بين الداعي والمدعوين.

لقاء بعبدا الذي سبقته لقاءات، لا يخرج عن مألوف التشكيك، ولا يقدم جديداً ذا أمل إنقاذي يخالف سيرة التدهور الشامل الذي يلازم النظام اللبناني، ولا يحجب حقيقة تسارع هذا التدهور مع النسخة النظامية الحالية التي يفترض أنها تدير شؤون البلاد والعباد.

في المبدأ
مبدئياً، كل دعوة إلى لقاء عام يجب أن تكون مدعاة ترحيب، ويجب أن يكون الترحيب مدعوماً بالشعور بالمسؤولية حيال الوضع الداخلي، الذي أملى إطلاق نداء الدعوة. هذا في المبدأ، لكن المبدأ الجدي المسؤول هذا، يلزمه حكم جدي مسؤول في المبدأ، وهذا مما لا يقع عليه اللبنانيون. بل إن هؤلاء يجدون أنفسهم دائماً في إزاء متفرقين، لا علامة لاجتماعهم إلا شكل جمعهم تحت سقف مؤسسة واحدة. أما علامات افتراقهم، فبوسع أي لبناني أو لبنانية، أن يدلي بجردة وقائع دالة ومعبرة تدحض كل ادعاء مسؤول، وترد كل زعم من زعم المتفرقين الذين يتحدثون مراوغة، عن ضرورة إعادة الاعتبار إلى مضمون الوطنية اللبنانية.

هل من تمييز؟
ليس جدياً الحديث عن نسخ أهلية سياسية داخلية متطابقة، بل المطلوب استعراض التشابه بين هذه النسخ، والإشارة إلى نقاط التقاطع بينها. التمييز الذي يشكل ضرورة موضوعية، يعطي من جهة، سمة “الإنصاف الوصفي” لمجمل سلوك هذه السياسة الأهلية أو تلك، لكن من جهة أخرى، يعيَّن بموضوعية، مفاصل المسؤولية الخاصة لكل أهلية سياسية ضمن المسؤولية المشتركة لكل الصنوف الأهلية الممسكة بمصير الكيان.

في سياق التمييز، تبرز تراتبية المسؤوليات عن اللحظة اللبنانية الراهنة، مثلما تطلّ حقيقة الأهداف الكامنة خلف اعتماد هذا السلوك السياسي أو ذاك. من دون تكرار ما هو معروف على وجه إجمالي، تقتضي الرؤية السياسية وصف المشهد اللبناني الحالي بما هو عليه، وفي مندرجات الوصف وقائع بات من الصعب حجبها، وصار من المتعذر التخفيف من أعبائها بممارسة سياسة الهروب إلى الأمام.

العهد مسؤول أول
تشمل كلمة العهد موقع رئاسة الجمهورية، وموقع رئاسة المجلس النيابي، وموقع رئاسة الحكومة. وإذا كان رئيس الحكومة الحالي، لا يستند إلى تيار شعبي في الشارع، فإن رئيسي الجمهورية ورئيس المجلس النيابي، يشرفان على إدارة جمهور أهلي في شارعين متشابهين، مختلفين حيناً، ومتفقين أحياناً، لكنهما متضامنان مع منطق العهد، وعاملان في سبيل تثبيته وثباته. العهد بما هو موقع رئاسي يؤازره تيار أهلي، مسؤول أول عن كل خطوة سياسية يقدم عليها، والفشل في السياسة يعود إليه، والنجاح له الحساب نفسه. رئيس الحكومة الذي يفترض أنه مستقل وتكنوقراط، يشارك الرئاسة كل تفاصيل المسؤولية عن التوجهات وعن القرارات وعن كل إخفاقٍ أو نجاح.

يشارك رئيس المجلس النيابي الطرف الرئاسي المسؤولية ذاتها، في حالتي التقدم والتقهقر، وما يحصل حتى تاريخه هو التدهور العام على صعيدي الأمن السياسي والاجتماعي وعلى صعيدي الاقتصاد والنقد والمالية العامة، لذلك فإن ما يظهر من سياسات هذين الطرفين الرئاسيين، بالاندماج بالجمهور الخاص وبتولي قيادته، ما زال بعيداً جداً عن أحكام المسؤولية الوطنية العامة القادرة على اجتراح الحلول اللازمة الداخلية، والعاملة على تذليل العقبات من أجل تنفيذها. لقد كان شكل الدعوة إلى الحوار في بعبدا، مخالفاً لضرورات تسهيل انعقاد هذا اللقاء، إذ أن النداء إلى التلاقي، اتخذ صيغة “ورقة الإحضار”، ولم يلبس سطور هدف إطلاق صفارة الانتباه إلى الأخطار.

إن اختيار المدخل الأمني من قبل رئاسة الجمهورية، يسقط أبسط تعريفات كل أمن وطني، فما يعاني منه اللبنانيون اليوم، ليس الخوف من اندلاع حرب أهلية لا يرغب بها أحد، ولا انفلات نزاع مذهبي لا يسعى إليه أحد، لكن ما يقلق اللبنانيين هو هذه الإدارة السياسية التي زادتهم فقراً، وأوصدت في وجوههم إمكانيات الإصلاح في بنية النظام، وفي سياساته. الخطير اليوم، هو هذا الحكم المغلق على الاستماع، والعاجز عن الإقدام، والمكتفي بمونولوج توجهاته، والمستقوي على من لا يقول قوله، مما يحفر عميقاً بين اللبنانيين، ويزيد كل يوم، من المخاطر التي قد تمس لاحقاً بمقومات اجتماعهم. الخطر سياسي اجتماعي، لذلك فكل حوار يغلّف حقيقة الوضع بأغلفة مزيفة، من شأنه أن يضيف إلى حوار الطرشان الذي لا يوصل إلا إلى تعميق الأزمة اللبنانية.

تمييز ضمن التمييز
خلف العهد الذي يبدو واقفاً على قائمتين، واحدة خاصة من عنده، وثانية مضافة من عند داعميه، هناك القائمة الثالثة الثابتة المتمثلة بحزب الله تحديداً. من دون تورية توضيحية، وبعيداً من كل شرح اتهامي، يشكل حزب الله راهناً، سيف العهد ودرعه، وهو يقوده في سيره، ويشير عليه في تفكيره، وما ظهر حتى الآن هو أن طابع الشراكة ما بين العهد، ذي التمثيل النصف مسيحي، وحزب الله ذي التمثيل النصف شيعي، هذا الطابع ما زال أقرب إلى حقيقة “الشريك المضارب”، فالطرفان المتشاركان، يحاولان وكل على طريقته، جعل حصته من الغُنم في جعبته ما أمكن، وجعل حصة الغرم في جعبه شريكه، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

ما لا يفوت حزب الله، وما لا يفوت كل مراقب موضوعي، أن حزب الله حمَّل لبنان الآن ما لا طاقة له به، وهو بدلاً من سعيه إلى الطلب من داعميه، بتمييز “ساحة لبنان” بالهدوء عن سواها من الساحات، نراه يذهب إلى جعل لبنان ساحة تبادل رسائل ملتهبة، ولا يجد ضيراً، في جعلها ساحة بريد وحيدة، من بين كل الساحات، وفي مواجهة كل الساحات.

وآخرون
التأكيد على مسؤولية العهد لا يسقط الحديث عن مسؤوليات الآخرين، لكن الوضوح في الإشارة إلى عِظَم مسؤولية كل فريق، يقتضي الفرز أولاً، وهذا غير التجاهل، فالفرز يفضي إلى علم محدد بالشيء، وهو يستعلم، عن أحوال الباقين المحددة، وهذا من شأنه، عدم التقليل من مسؤولية فريق، ويحول دون جعل كل المسؤولين عن الانهيار سواسية.

كلمة المسؤولية الفصل تقع على عاتقين: موقع الرئاسة أولاً، لأن من يقيم في الموقع هو اللبناني الأول، وموقع الشيعية السياسية، حيث يقيم حزب الله، الذي هو اللبناني الثاني والأول أيضاً.

ينتظر اللبنانيون كلاماً مسؤولاً وجدياً، فهل سيصل هذا الكلام إلى الأسماع؟