الأربعاء 6 جمادى الأولى 1444 ﻫ - 30 نوفمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

اتفاق "الترسيم" بين أميركا والحزب... لا عزاء لخصومه

منير الربيع - المدن
A A A
طباعة المقال

كثيرة هي السرديات التي تحتاج إلى تفكيك بهدوء. يمكن الولوج إليها بالنظر إلى صورة المواقف المتناقضة التي يقدّمها حزب الله من جهة وخصومه من جهة أخرى. غالباً ما يتعاطى الحزب بواقعية، أما خصومه فهم الذين يغرقون في أوهام أو يرتكزون إلى ما يتمنون، وعلى ما يراهنون، فتكون النتيجة في النهاية إصابة بالخبية. والأسوأ من ذلك، أن خصوم الحزب يعتبرون أنفسهم واقفين على أرض صلبة وأنه يتماهون مع مواقف المجتمع الدولي أو القوى الكبرى، ويتهمون الحزب بأنه خارج على النظام العام، وأنه خارج الزمن، ولا يمكنه الوصول إلى أي تفاهم مع تلك القوى الدولية. لكن غالباً ما يحصل العكس، يتقدم حزب الله ومن خلفه إيران إلى صدارة المشهد، فيما يبدو أولئك الخصوم خارجه، على الرغم من كل مساعيهم للالتقاء مع الآخرين.

التجارب المريرة
تثبت التجارب مراراً أن القوى الدولية غالباً ما تجد من تستغله في أي ساحة من الساحات، وبعدها تذهب لفرض أمر واقع مع خصمه أو من يفترض أنه خصمها. وهذا ما تؤكده الوقائع في مرحلة ما بعد العام 2005 وصولاً إلى العام 2011، ولا حاجة للدخول في تفاصيل تلك الحقبة من اغتيال رفيق الحريري إلى أحداث 7 أيار وتسوية الدوحة 2008، وصولاً إلى السين -السين وبعدها الإنقلاب الإيراني عليها في العام 2011. في كل تلك المرحلة كانت قوى الرابع عشر من آذار مستندة على دعم أميركي، وأوهام بأن الجحافل الأميركية ستكون جاهزة للوصول إلى الشواطئ اللبنانية. استُدرج هؤلاء إلى لعبة الانقسام العمودي والصراع الكبير بأبعاده الإقليمية والدولية، حتى وجدوا أنفسهم عراة أمام اجتياح حزب الله، وذهبوا إلى التفاوض معه خاضعين لشروطه السياسية. كل ذلك كان يحصل في ظل “الدعم الدولي” لهؤلاء، وفي ظلال محكمة دولية قيد التشكل، سرعان ما أفرغت من مضمونها وطوتها صفحات النسيان.

حزب الله وأميركا
لا ينطبق ذلك على أميركا وحدها. فرنسا صاحبة الرمزية التاريخية في لبنان، كانت من أبرز داعمي قوى 14 آذار بعد اغتيال رفيق الحريري، لكنها في العام 2007 ذهبت باتجاه مؤتمر سان كلو وما طرح فيه حينها من دعوة للمثالثة. فكان ذلك المجال الأول للانقلاب على اتفاق الطائف. بعد ثورة 17 تشرين التزمت باريس بخطاب واضح حول ضرورة مواجهة الفاسدين وإبعادهم عن السلطة والإتيان بحكومة تكنوقراط من غير السياسيين، إلا أنه بعد انفجار المرفأ حضر الرئيس الفرنسي إلى بيروت، ما دفع بزيارته إلى إعادة تعويم الطبقة السياسية ككل. ولا داعي للعودة إلى تلك الحقبة ولزيارة وزير الخارجية الفرنسي السابق جان إيف لودريان، التي قرّع فيها جماعة المجتمع المدني، وصولاً إلى دخول باريس في صوغ تسوية جديدة بين أركان الحكم الذين كانت تدعي أنها ستفرض عليهم عقوبات، وأنه لا يجب عليهم الاستمرار في السلطة. هذا أيضاً ينطبق على الولايات المتحدة الأميركية التي انتهجت منهج فرض العقوبات، إلا أنه عندما يحين وقت التسويات تذهب إليها كما حصل مؤخراً في ملف ترسيم الحدود، أو كما حصل في محطات كثيرة سابقة.

يأتي اتفاق ترسيم الحدود كنوع من تتويج لمسار طويل أفضى إلى إبرامه واقعياً بين الولايات المتحدة الأميركية وحزب الله. وهذا ما تثبته النتيجة، بغض النظر عن كل النقاشات والسرديات. يؤكد الاتفاق أن أميركا وحزب الله كلاهما يتعاطيان ببراغماتية، وعندما تتقاطع المصالح لا بد من مواكبة تقاطعاتها. بينما يبدو خصوم الحزب خارج الزمن وخارج هذا الاتفاق أو التأثير به أو حتى مواكبته. نزولاً عند الإستسلام لفكرة: “إننا حلفاء أميركا والمجتمع الدولي، بينما حزب الله على خصومة معه وخاضع للعقوبات”. يغيب عن بال هؤلاء تجربة طالبان أو التجربة مع إيران في العراق.

وللمناسبة أو المصادفة، يتزامن اتفاق ترسيم الحدود في لبنان، مع اكتمال معالم الانقلاب في الساحة العراقية، من خلال تسوية أفضت إلى انتخاب رئيس للجمهورية مدعوماً من الإطار التنسيقي والحشد الشعبي، أي حلفاء طهران، وتكليف مرشح الحشد محمد شياع السوداني برئاسة الحكومة، علماً أن السوداني نفسه وعندما طرحت فصائل الحشد الشعبي ترشيحه أوصل العراق إلى مشارف الحرب الأهلية الشيعية-الشيعية بسبب تحركات التيار الصدري. مر تكليف السوداني بهدوء وسلاسة، كما مرّ اتفاق ترسيم الحدود. ولكلا الحدثين لا بد أن يكون تداعيات سياسية كثيرة.. تؤكد مجدداً أن واشنطن تذهب إلى الاتفاق مع من يصنع السياسة ويقوم بالفعل لا من يرتكس إلى ردّ الفعل.

في الخفة والمراهقة
لا بد من التأكيد على هذا الكلام، في ظلال استحقاقات أساسية يقبل عليها لبنان، فيما تبدو مقاربتها بالغة السذاجة من قبل خصوم الحزب، إما بسبب الخلافات بين بعضهم البعض حول من يريد فرض إرادته على الآخر، أو بسبب التنابذ فيما بينهم، وإما بسبب مقاربة السياسة بنزعة أقل ما يقال فيها إنها مراهقة سياسية. والأسوأ من ذلك أن هؤلاء الذين يتوجهون إلى المجلس النيابي، بعضهم بصيغة “مرشح التحدي” وبعضهم الآخر بوجهة نظر أن حزب الله ضعيف، ولذلك لم يعلن عن مرشحه! المنطقان ينطويان إما على خفّة أو على تسخيف للاستحقاق وللسياسة أو استخفاف للعقول. بذلك يتيحون لحزب الله أن يقف ضاحكاً، متفرجاً ومنتظراً وكأنه يقول: “دعوهم يذهبون بعيداً فمآلهم إليّ”. مثل هؤلاء كانوا من أبرز المستخفين بإمكانية وصول عون إلى رئاسة الجمهورية، وحالياً يستخفون بالحزب وما يستخفون إلا بأنفسهم.

يسارع هؤلاء إلى انتقاد حزب الله على اتفاق ترسيم الحدود، ويهاجمونه بأنه قدم تنازلات أو أنه وافق على إبرام اتفاق مع اسرائيل برعاية أميركية، وأن ذلك يتعارض مع خطابه ومبادئه، فيما يغيب عن بالهم مقاربة أبعاد هذا الاتفاق سياسياً وما هي أثمانه، ويعاجلون بخفة إلى طرح مسألة السلاح، من دون تقديم أي رؤية سياسية تبقيهم على المسرح، وتجعل منهم صانعي حدث أو مؤثرين فيه. لا يخطر في بالهم السؤال عن الثمن الذي سيتقاضاه حزب الله سياسياً، فتتكرر الخيبة مجدداً كما حصل بعد 7 أيار 2008 وفي العام 2016.

تبعات غياب السنّة
يتفرق خصوم حزب الله بين تغييريين، و14 آذاريين سابقين، فيما هؤلاء الـ14 آذاريون منقسمون على بعضهم البعض، مثل القوات اللبنانية ذات الموقف الحاد، والقوى المسيحية الأخرى التي تضم الكتائب وبعض المستقلين، في مقابل الموقف الوسطي الذي يتخذه الحزب التقدمي الاشتراكي، أما الطرف الأساسي والأكثر غياباً عن المشهد فهو السنّة الذين كانوا الرافعة الشعبية المرافقة للرافعة السياسية لـ14 آذار وهم القادرون على فرض التوازن. غياب السنّة له تبعاته الخطرة، وحالة استضعافهم مستمدة من استضعاف إقليمي يمتد من العراق إلى سوريا فلبنان، بينما تعقد واشنطن وطهران التفاهمات على القطعة وهم على خصومة. أما من هم على تحالف مع أميركا فيبدون خارج القطار، حيث لا قدرة على إيقافه أو على تفكيك مقصوراته، ولا وسيلة أو وجهة للصعود إليه، وهذا ما يحتاج إلى تفكير.