
لم تكتف القوى السياسية المتضررة من تحقيقات انفجار مرفأ بيروت، بتطويق المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، ووقف كلّ إجراءاته عبر عشرات دعاوى الردّ والمخاصمة ونقل القضية، بل انتقلت إلى مرحلة ضرب التحقيق في الصميم، عبر خرق سرّيته ووضعه بمتناول الرأي العام، وهذا ما تجلّى بالمقابلات التي يجريها الإعلامي الزميل فراس حاطوم على محطة “الجديد” والتي يستجوب خلالها الموقوفين مباشرة على الهواء، ويطرح عليهم أسئلة تتعلّق بأساس الملفّ والجرائم المنسوبة إليهم ودورهم في ما حصل.
لا يقع اللوم هنا على الزميل حاطوم، ولا على المحطة المذكورة، إذ من حقّ أي صحافي أو مؤسسة إعلامية البحث عن سبق صحافي في ميدان عملها، لكنّ المشكلة هو أن هذه المقابلات حصلت بترخيص قضائي مسبق لم تعرف بعد خلفياته وأسبابه. إذ كشف مرجع قانوني معني بهذا الملفّ لـ “صوت بيروت أنترناشونال”، أن فراس حاطوم “استحصل على ترخيص من النيابة العامة التمييزية لإجراء هذه المقابلات مع موقوفي ملفّ المرفأ، وتحديداً من المحامي العام التمييزي القاضي عماد قبلان شخصياً، من دون الأخذ بالاعتبار التداعيات السلبية لهذا تصرّف”.
ويعتبر المرجع القانوني أن “إعطاء ترخيص لمؤسسة إعلامية يفوّضها إجراء تحقيقات على الهواء مباشرة، يعني بوضوح أن النيابة التمييزية ارتكبت خطأ جسيماً من شأنه أن يقوّض الملفّ، خصوصاً أنها شريك في التحقيقات، وعليها مسؤولية المحافظة على سريتها”. وتوقع المرجع المذكور “وقوف جهات سياسية وراء هذا الخرق الفاضح لسرّية الملفّ، وهي الجهات نفسها التي لا تتوقف عن تقديم الدعاوى ضدّ البيطار وضد القضاة الذين ينظرون بدعاوى الردّ، من أجل إبقاء الملفّ معلّقاً بانتظار صفقة ما تطيح بالقضية وبحقوق الضحايا وأهلهم”.
وتتعدّد المخالفات المرتكبة في هذا المجال، ويلفت المرجع القانوني إلى أن “نص المادة 53 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، واضح جداً، فهي تحظّر نشر أي معلومات تتعلّق بسرية التحقيق وإفادات المدعى عليهم، وأن ذلك يرتب جرماً جزائياً”. ويشير إلى أن “ما يحصل الآن يخالف نظام السجون، فالقانون يعطي السجين حقّ الاتصال بوالدته أو زوجته أو أبنائه، لكن لا يعطيه حق التواصل مع الاعلام والادلاء بتصريحات”.
ولا تقف الأمور عند هذا الحدّ، إذ ثمة تسريبات بدأت تتحدث عن “وضع اجتهاد يسمح بتعيين محقق عدلي إضافي إلى جانب البيطار للنظر باخلاءات سبيل الموقوفين، وهذا يشكّل مخالفة قانونية فاضحة”. ويقول المرجع القانوني إن “أي تدبير من هذا القبيل يحتاج إلى قانون، لا تتأمن له أكثرية نيابية حتى الآن”، لكنّه لم يستبعد مثل هذا الخيار “إذا فاز “حزب الله” وحلفاؤه بالأكثرية النيابية في الانتخابات المقبلة”.
وحذّر المرجع المذكور مما أسماها “مخالفات كبرى بتعديل طبيعة مذكرات التوقيف بحق النواب والوزراء والتي تبقى سارية المفعول”. وكشف أن “ثمة من يعمل على تجميد هذه المذكرات أثناء انعقاد الدورة العادية للمجلس النيابي، بذريعة أن النائب يتمتّع بالحصانة، في حين أن مذكرة التوقيف تبقى قائمة ويجب تنفيذها حتى في ظلّ انعقاد الدورة العادية، وعندما تنفّذ يمكن للأكثرية النيابية أن تجتمع وتقرر إخلاء سبيل النائب خلال دورة الانعقاد العادية للمجلس النيابي”.