الأحد 3 جمادى الأولى 1444 ﻫ - 27 نوفمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الحزب وتصريف انتصار الترسيم: تسوية واستقرار أم استئثار؟

منير الربيع - المدن
A A A
طباعة المقال

تفتح موافقة حزب الله على إنجاز ملف ترسيم الحدود البحرية آفاقاً سياسية، على الصعيدين الداخلي والخارجي. تعلم الولايات المتحدة الأميركية، فرنسا، والمملكة العربية السعودية أن الحزب صاحب القرار الأساسي بهذا الملف. كما تعرف الأطراف الثلاثة بأن الحزب يزداد قوة داخل البيئة الشيعية، وعلى صعيد البنية السياسية للنظام اللبناني وفقاً للتوازنات القائمة. وهذا عنصر لا يمكن إغفاله في اي استحقاق مقبل، على قاعدة أنه لا يمكن عزل حزب الله ولا إنجاز أي استحقاق من دون حصول نوع من التفاهم معه. في المقابل، يعلم حزب الله أنه لن يكون قادراً على الحكم بنفسه أو بشكل آحادي، ففي اللحظة التي تتقدم فيها غلبة طرف على حساب الطرف الآخر، سواء داخلياً أو إقليمياً، تعني المزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية والمزيد من الانهيارات. ما يعني أن هناك حاجة دائمة لتفاهم معين.

مقدمة التسوية
في حال استمرار الانهيار على المدى البعيد، ستكون الآثار مدمرة اجتماعياً، ولن يكون بإمكان الحزب الاستمرار في حالة تحصينية لبيئته. وهذا يعلمه أيضاً. لذلك ستكون تجربة ما بعد اتفاق الترسيم مقدّمة للبحث عن صيغ للتسوية داخلياً وحدودياً، في حال كانت الإرادة الخارجية والداخلية فاعلة بحماية الاتفاق وتطبيقه، كما بحال لم تؤدِ الخلافات والصراعات الإسرائيلية والحسابات الانتخابية بين بنيامين نتنياهو وخصومه إلى الإطاحة بالاتفاق. حين ذاك، الاتفاقية ستكون ركيزة لإرساء الاستقرار في الجنوب، والدخول في مرحلة جديدة بضمانة التنقيب عن النفط واستخراجه. وهي ستشكل نافذة جديدة لمفاوضات حزب الله مع الأوروبيين والأميركيين أيضاً.

إلى الرئاسة
سيحول حزب الله اتفاق الترسيم إلى انتصار، فيما سيبقى السؤال حول كيفية الاستثمار في هذا الانتصار. فبحال أراد استثماره سياسياً أولاً بالتمسك بشخصية محسوبة عليه لإيصالها إلى الرئاسة، سيعني ذلك استمرار المسار القائم منذ انتخاب الرئيس ميشال عون. وحينها لن يكون هناك أي أفق للحلّ. أما بحال تعاطى الحزب بنوع من الواقعية، فحينها يمكن الولوج إلى مرحلة من التهدئة على غرار المرحلة التي بدأت بعد أحداث 7 أيار وتجلت في تسوية الدوحة وفي اتفاق سين-سين بعدها، حتى لحظة الإنقلاب الإيراني على هذه المعادلة من العراق إلى لبنان. تلك المرحلة الممتدة بين العامين 2008 و2011 قابلة للتكرار، وهي كانت في حينها بعز الانقسام العمودي الداخلي بين حزب الله ومن جهة وخصومه من جهة أخرى. وكانت تحاكي ايضاً الخنادق الإيرانية السعودية المستمرة، والتي استفحلت أكثر في الآونة الأخيرة.

الحزب والدول الثلاث
أثبتت التجربة أن حزب الله، والذي نجح بتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية في لبنان والمنطقة، وتمكن من إيصال حلفائه إلى السلطة، وصولاً إلى السيطرة عليها وجعل الآخرين ملحقين سياسيين.. لا يمكنه ضمان أن الحكم يستقيم. فافتقاد التوازن يقود إلى الانهيار الذي نرى نتائجه في هذه الأيام. صحيح أن الحزب سيبحث عن استثمار سياسي في المستقبل لما حققه، ولكنه أيضاً سيكون مضطراً للتعاطي بواقعية. وهذا يفترض أن يقود إلى خيار تسووي رئاسياً وحكومياً. وهذا ما تسعى إليه باريس في لبنان.

الولايات المتحدة الأميركية تبدو مهتمة استراتيجياً بملف ترسيم الحدود والغاز وارساء الاستقرار في الجنوب. وهذا قد يكون مقدمة أيضاً لبلورة حلّ توافقي. أما المملكة العربية السعودية، فهي قادرة على لعب دور أساسي ووازن لبنانياً، من بوابة الاستحقاق الرئاسي، وتشكيل الحكومة الجديدة، والمساعدة على إنقاذ لبنان من أزمته. هذه كلها أوراق يمكن استخدامها في المرحلة اللاحقة، بحال توفرت قناعة دولية إقليمية حول الإلتقاء على إرساء الاستقرار في لبنان والدخول في مرحلة من التهدئة.

سياسة التساهل والتعاون
لطالما كان حزب الله، وبلسان أمينه العام السيد حسن نصرالله، يقول صراحة إن القوى اللبنانية أو حتى الإقليمية بإمكانها تحصيل كل ما تريده من الحزب في السياسة، ولكن وفق الكلمة الحسنة وعلى قاعدة التعاون والتشاور، وليس على قاعدة الفرض والتحدي. هنا يمكن الذهاب إلى مرحلة جديدة من الاختبار بعد كل ما حققه الحزب وعلى وقع الانهيار. وتسليماً بقناعة أنه لا يمكن عزله ولا إنهائه ولا إضعافه، وفي حال توفرت الإرادة الحقيقية لديه ولدى خصومه أيضاً للإنقاذ. تقتضي المرحلة والتي يعتبر فيها الحزب أنه حقق ربحاً استراتيجياً في ترسيم الحدود، أن يقابله نوع من التساهل والتعاون في الاستحقاقين المقبلين، انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة. وهنا لا بد من طرح سؤال أساسي، هل يمكن للحزب أن يوافق على انتخاب رئيس توافقي مقبول دولياً ويحظى بثقة المجتمعين العربي والدولي؟ حسب ما يقول ديبلوماسيون يتواصلون مع الحزب، فهو مستعد للتعاون، ويحرص على التوافق. وهو يريد وصول رئيس يعرف معنى المقاومة، ولا يدخل في صيغة التحدي لسحب السلاح أو لتبني القرار 1559.

هذا الكلام يعني ضمنياً العودة إلى المعادلة التي استمرت طيلة حقبة رفيق الحريري في لبنان، وهي إدارته للشؤون المالية والاقتصادية وبعض الأمور السياسية، مقابل إعطاء الجانب الاستراتيجي والسياسة الخارجية والعامة، بالإضافة إلى المقاومة والعمل العسكري لحزب الله ومن ورائه إيران والنظام السوري. هل يمكن لحزب الله أن يقبل بمثل هذه المعادلة مجدداً؟ وهي تفترض انتخاب رئيس للجمهورية مشابه لتجربة الياس سركيس مثلاً، أي متمتع بخبرة مالية وخبرة سياسية تقوم على التوافق، والموافقة أيضاً على تكليف شخصية لرئاسة الحكومة تتمتع بالصفات نفسها، حيث يتشكل ثنائي مدعوم من القوى السياسية المختلفة، يكون قادراً على وضع خطة والانسجام في السعي لتطبيقها؟

لا بد لهذا السؤال أن يتفاعل في الأوساط السياسية، ولا بد لحزب الله أن يفتح الباب أمام شخصيات قد وضعها سابقاً في خانة الخصومة أو العداوة، فقط لأنها لم تلتق معه سياسياً. النقاش هنا كفيل بتقريب وجهات النظر، وقد يقود إلى إنتاج تسوية معينة تعيد إحياء تجربة مصطفى الكاظمي في العراق في أيامها الأولى.

نظرياً فإن لبنان أمام احتمالين، إما سلوك هذا النهج لقطع الطريق على استمرار الانهيار، أو رفضه من قبل الحزب أو من قبل الآخرين، ما سيعني أن العبثية ستكون منهجية ومنظمة وعبارة عن إرادة داخلية وخارجية، غايتها الإمعان في الانهيار.. إما وصولاً إلى انفجار كبير، أو إلى ذوبان الكيان والصيغة.