السبت 10 صفر 1448 ﻫ - 25 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الخوري لصوت بيروت: التعافي الحقيقي يحتاج من ثلاث إلى خمس سنوات إن توفر هذا الشرط!

أميمة شمس الدين
A A A
طباعة المقال

مع انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وبالرغم من الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، يستمر التصعيد الإسرائيلي في الجنوب بشكل غير مسبوق، وعشية الجولة الثانية من المفاوضات، تبقى العين على الاقتصاد اللبناني وإمكانية تعافيه، فيما يبرز السؤال الأهم: كم نحتاج من الوقت كي ينهض الاقتصاد؟ وما المطلوب لتحقيق ذلك؟

في هذا الإطار، يرى الكاتب في الاقتصاد السياسي الدكتور بيار الخوري، في حديثٍ لـ«صوت بيروت إنترناشونال»، أن التعافي ممكن، لكنه ليس سريعاً، وهو يُقاس بقدرة الدولة على استعادة الحد الأدنى من الوظائف الاقتصادية قبل أي حديث عن نمو فعلي.

وفي حالة لبنان، يشير الخوري إلى أنه بعد وقف إطلاق النار، إذا طُبِّق، فإن الزمن الأدنى لإيقاف التدهور يتراوح بين ستة أشهر وسنتين، حيث يتم تثبيت الإيقاع الاقتصادي وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والاتصالات. ولفت إلى أن الانتقال إلى مرحلة التعافي الحقيقي يحتاج إلى ثلاثٍ إلى خمس سنوات إذا ترافق الاستقرار الأمني مع قرارات مالية ومؤسساتية حاسمة.

أما بالنسبة إلى النهوض الكامل، والوصول إلى اقتصاد قادر على النمو المستدام، فهو يتطلب، وفقاً للخوري، ما لا يقل عن سبع إلى عشر سنوات، لأن البنية الإنتاجية الحالية ضعيفة، والاقتصاد فقد عمقه التمويلي.

واعتبر أن وقف إطلاق النار بحد ذاته لا يشكل ضمانة للاستقرار، بل يمثل حالة تعليق للصراع أكثر مما هو تسوية له. فغياب أفق سياسي واضح أو إطار دائم يضبط التوترات يجعل البيئة الاقتصادية عرضة لهزات مفاجئة.

ويقول الخوري: «هذا النوع من عدم الاستقرار يدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى سلوك دفاعي، حيث يتم تأجيل الاستثمار طويل الأجل، ويُفضَّل الاحتفاظ بالسيولة أو تحويلها إلى الخارج. ونتيجة لذلك، يبقى النشاط الاقتصادي في حدوده الدنيا حتى مع توقف العمليات العسكرية، ويتحول أي تحسن إلى مكاسب قصيرة الأجل قابلة للتبخر عند أول إشارة توتر».

وحول توقعاته لسعر الصرف، قال الخوري: «سعر الصرف في حد ذاته لم يعد مركز الأزمة كما كان في السنوات الأولى، إذ شهد استقراراً نسبياً منذ عام 2023 ضمن نطاق ضيق. وهذا الاستقرار ناتج عن توازن مؤقت بين تدفقات العملات الصعبة من الخارج وانكماش الطلب الداخلي، أكثر مما هو نتيجة نظام نقدي متماسك أو قدرة إنتاجية».

واعتبر أن أهمية هذا الاستقرار تكمن في أنه خفف الصدمات اليومية وسمح بحد أدنى من التسعير المتوقع، لكنه لا يمثل استقراراً هيكلياً يمكن البناء عليه وحده. وأكد أن أي تغير في حجم التدفقات أو في مستوى الاستهلاك سيعيد الضغط بسرعة، لذلك فإن دوره في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار هو توفير أرضية أقل اضطراباً، وليس معالجة جوهر الأزمة.

ورأى الخوري أن المشكلة ليست فقط في الدمار المادي، بل في انهيار الثقة، وهذه لا تُبنى عبر التصريحات، بل عبر أفعال قابلة للقياس. وأضاف أن أي مسار تعافٍ يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقطاع المالي، لأن النظام المصرفي بصيغته الحالية غير قادر على لعب دور الوسيط.

وأوضح أن إعادة الهيكلة المصرفية تصبح نقطة ارتكاز أساسية، مع توزيع واضح للخسائر بدلاً من ترحيلها. وبدون ذلك، فإن أي تدفق للأموال الخارجية سيتحول إلى استهلاك مؤقت لا إلى استثمار منتج.

ويقول الخوري: «السياسة الاقتصادية تحتاج إلى إطار متماسك يعيد وظيفة الدولة كمنظم لا كمصدر اضطراب. والاستقرار النقدي القائم يجب دعمه بانضباط مالي فعلي، لأن تمويل العجز سيعيد إنتاج الاختلالات».

وأضاف أن المالية العامة تحتاج إلى إعادة ضبط عميقة، تشمل تخفيض الهدر، وتحسين الجباية، وإعادة توجيه الإنفاق نحو البنية التحتية والخدمات ذات الأثر المباشر على الإنتاج.

وأكد أن الاقتصاد لا ينهض عبر القروض فقط، بل عبر إعادة تشغيل محركاته، لافتاً إلى أن القطاعات القابلة للانتعاش السريع في لبنان هي الخدمات المرتبطة بالاغتراب، والسياحة إذا استمر الاستقرار، وبعض الأنشطة التكنولوجية الخفيفة. أما الصناعة والزراعة فتحتاجان إلى وقت أطول، لأنهما تعتمدان على تمويل طويل الأجل واستقرار في كلفة الطاقة. وأشار إلى أن أي مسار واقعي سيبدأ بتعافٍ غير متوازن قبل أن يتسع تدريجياً.

وأشار الخوري إلى أن الدور الخارجي حاسم، لكنه مشروط، فأي دعم دولي سيبقى محدوداً إذا لم يقترن بإصلاحات واضحة وقابلة للتحقق. فالمؤسسات الدولية لا تضخ أموالاً في بيئة غير مستقرة مؤسساتياً. وفي المقابل، رأى أن التحويلات من الخارج يمكن أن تشكل شبكة أمان مؤقتة، لكنها لا تبني اقتصاداً.

وختم الخوري بالقول: «المخاطر الأساسية تبقى داخلية أكثر منها خارجية. فعودة التوتر الأمني تعيد الاقتصاد إلى نقطة الصفر، والفساد يعطل أي تدفق استثماري، وغياب القرار السياسي يؤخر كل شيء حتى لو توفر التمويل».

كما أشار إلى أن استمرار فقدان الثقة بالعملة الوطنية يدفع إلى دولرة أعمق تحد من قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد. ولفت إلى أن التجارب المقارنة تظهر أن الدول التي تعافت بسرعة فعلت ذلك عبر صدمة إصلاحية واضحة وليست تدريجية، مثل رواندا التي أعادت بناء مؤسساتها بسرعة مع انضباط صارم، فيما تعثرت البوسنة بسبب التعقيد السياسي، أما العراق فامتلك موارد كبيرة لكنه عانى من ضعف الإدارة.

وأكد أن الدرس العملي هو أن الموارد وحدها لا تكفي، وأن الحوكمة هي العامل الفاصل.

ورأى أن الزمن الواقعي للنهوض في لبنان ليس أقل من خمس سنوات لرؤية نتائج ملموسة، ولا أقل من عشر سنوات لبناء اقتصاد مستقر. وأكد أن البداية الفعلية تتحدد بخمس خطوات لا تحتمل التأجيل:

إعادة هيكلة النظام المصرفي بشكل شفاف.
تثبيت الاستقرار النقدي القائم ضمن إطار مؤسسي واضح بدلاً من الاعتماد على التوازنات المؤقتة.
إقرار موازنة منضبطة تقلص العجز.
إطلاق برنامج إعادة إعمار يركز على البنية الأساسية المنتجة.
فرض قواعد حوكمة تقلص الهدر وتعيد الحد الأدنى من الثقة.

وختم بالقول: «من دون هذه الخطوات، فإن أي حديث عن تعافٍ يبقى توصيفاً نظرياً».