
البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي
ترأس البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد السادس عشر من زمن العنصرة في كنيسة الصرح البطريركي في الديمان، عاونه رئيس الديوان الخوري خليل عرب وأمين السر العام الأب فادي تابت، بمشاركة المونسنيور فيكتور كيروز والأب كاميليو مخايل وعدد من الكهنة، في حضور رئيس واعضاء إقليم كاريتاس الجبة، ووفد من المنظمة الدولية لحقوق الإنسان ووفد فاعليات وأهالي بلدة مشمش وحشد من المؤمنين.
ألقى الراعي عظة بعنوان: “من يرفع نفسه يواضع ومن يواضع نفسه يُرفع” (لو ١٤:١٨)، قال فيها: “ليست هذه الكلمة مجرد خاتمة لمثل الفريسي والعشار، بل هي مفتاح لفهم العلاقة بين الإنسان والله، وبين الإنسان وأخيه في الهيكل وقف رجلان للصلاة. كان أحدهما فريسيا يعرف الشريعة ويمارس واجباته الدينية، والآخر عشارًا يحمل في نظر الناس صورة الخاطئ. الفريسي كان يتباهى بأعماله ، بصيامه و صلاته وعطائه. وكان يرى نفسه أفضل من باقي الناس ومن العشار. أما العشار فلم يجد ما يقدمه سوى قلب منكسر وتائب وكلمة صادقة: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ».الفريسي لم تكن مشكلته أنه صام و دصلّى وأعطى. هذه كلها أعمال صالحة. لكن المشكلة أنه جعل من صلاته سببًا ليرفع نفسه فوق غيره، فتحولت أفعاله إلى إدانة. أما العشار فلم يبرر نفسه ولم يقارنها بأحد عرف ضعفه واعترف بحاجته إلى رحمة الله. ولهذا قال الرب إن العشار عاد إلى بيته مبررًا، أما الفريسي فلا . وختم بالقول: «كل من يرفع نفسه يواضع، ومن يواضع نفسه يُرفع» (لو ١٤:١٨)”.
وتابع: “يسعدني أن أرحب بكم جميعًا، للاحتفال معًا في هذه الليتورجيا الإلهية. وأرحب بنوع خاص بالوفد من فعاليات وأهالي بلدة مشمش الأعزاء، وبإقليم كاريتاس – لبنان في منطقة الجبة من الأبرشية البطريركية، وبالوفد من المنظمة الدولية لحقوق الإنسان”.
واضاف: “إنجيل اليوم يقودنا إلى سؤال أساسي : ماذا تعني لنا الصلاة؟ الصلاة ليست مناسبة تخير فيها الله كم نحن صالحون بل لحظة نكتشف فيها كم نحن بحاجة إلى الله. الفريسي كان يصلي، لكن قلبه كان يدور حول نفسه أما العشار، فوقف أمام الله بكل ضعفه. الصلاة الحقيقية تبدأ بتسبيح الله وتمجيد اسمه، لأنه مصدر حياتنا وكل نعمة. ثم نشكره على الحياة، وعلى العائلة، وعلى الإيمان وعلى الصحة، وعلى كل عطية وصلت إلينا، وعلى أشياء كثيرة نعيشها كل يوم. ثم تتحول صلاتنا إلى تشفّع نحمل أمام الله في صلاتنا للمرضى والمتألمين، والفقراء، والعائلات التي تعيش ضيقًا، والشباب الذين يخافون على مستقبلهم، وموتانا. ثم نرفع حاجاتنا نحن نطلب الخبز اليومي والصحة والقوة، والحكمة والسلام والحماية، والعمل، وكل ما تحتاج إليه في حياتنا . لكننا لا نطلب من الله كمن يفرض عليه إرادته، بل كأبناء يضعون ثقتهم في أبيهم. نطلب بإيمان ونلتمس برجاء، ونسلم في النهاية لمشيئته”.
وتطرق إلى الشأن الوطني: “من يرفع نفسه يُواضع، ومن يواضع نفسه يُرفع (لو ١٤:١٨). التواضع الوطني يبدأ بأن يعترف الجميع بأن لبنان ليس ملكا لفريق، وأن لا أحد يملك وحده حق تقرير المصير. الدولة ليست غنيمة والسلطة ليست امتيازا، والموقع العام ليس وسيلة لتكبير الأشخاص، بل أمانة لخدمة الناس. ولكي يستعيد لبنان عافيته، لا بد من مرجعية وطنية واحدة وقرار سيادي . حماية لبنان تكون بحصر السلاح بيد الدولة، لأن الدولة لا تستطيع أن تحمي مواطنيها أو تطلب احترام سيادتها إذا بقي القرار الأمني موزّعًا بين مرجعيات متعددة. وهذا المسار يجب أن يتم بالحكمة والمسؤولية، بعيدًا عن التحريض والفتنة، وبما يحفظ كرامة جميع اللبنانيين. أما المفاوضات، فلا يجوز أن تبقى جولات بلا نتيجة فالمطلوب وقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وضمان أمن الناس وحقهم في العودة إلى قراهم وبيوتهم”.
وأشار إلى أن “الجنوب ليس ورقة تُستعمل في الحسابات، بل هو أرض لبنانية وأهل أعزاء لهم حق ثبات في الأمان والحياة وإعادة الإعمار. لا يجوز أن يبقى الجنوبيون أسرى الانتظار، ولا أن تتحول معاناتهم إلى مادة للمساومة”.
وقال: “يحتاج لبنان إلى جيش يعرف أن مهمته ليست حماية الحدود فقط، بل حماية معنى الدولة نفسه. جيش حاضر حيث يجب أن تكون الدولة، وحازم حين يُهدَّد الوطن، مسنود بإرادة سياسية لا تتركه وحيدًا أمام الأخطار. فالدولة التي لا يملك جيشها الكلمة الفصل في حماية أرضها تبقى دولة ناقصة السيادة. ويحتاج لبنان إلى حياد يحميه من صراعات الآخرين. فالحياد ليس انسحابا من القضايا الوطنية، ولا تخليا عن الحقوق، بل هو رفض لتحويل لبنان إلى ساحة للمحاور. إنه طريق لاستعادة القرار الحر، وحفظ العلاقات مع الجميع، وإبقاء لبنان وطنا لا جبهة مفتوحة. إن لبنان لا ينهض عندما ينتصر فريق على فريق بل عندما ينتصر الجميع للدولة. ولا يبنى الوطن بمنطق الغلبة، بل بالشراكة، واحترام القانون، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الخاصة. عندها يصبح التواضع الوطني قوة، ويصبح الخلاص ممكنا”.
واضاف: “في الشأن الوطني، نرجو أن يكون توقيع قانون العفو العام بابا للرحمة، وفرصة لفتح صفحة جديدة عنوانها العدالة والمصالحة والسلام في لبنان. فالعفو، إذا اقترن بالحق والعدل لا يكون مجرد إسقاط للعقوبة، بل يكون خطوة نحو تضميد الجراح، وإعادة بناء الثقة، ومنح من يستحق فرصةً جديدة للعودة إلى المجتمع والحياة. ونأمل أن يفتح هذا القانون بابا لمزيد من المصالحات، وأن يساعد على طي صفحات الألم والانقسام، بروح تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوق المتضررين، وتضع مصلحة لبنان ووحدته فوق كل اعتبار”.
وأردف: “كثير من المواطنين يرفعون وجعهم إلينا ويقولون: لبنان وأهله وصلوا إلى مرحلة ما عاد فيها الصمت مقبولاً . المواطن يختنق من الغلاء والفقر والمرضى يتعذبون، والعائلات تكافح لتؤمن أبسط مقومات الحياة، فيما الكهرباء والمولدات والفواتير تزيد وجع الناس عدونا يقتلنا مرة واحدة، أما الفساد والإهمال وغياب المحاسبة فيقتلوننا كل يوم ونحن فاتحين عيوننا ونرى وطننا ينهار. نحن بحاجة لصوت قوي مثل صوتكم يقف إلى جانب الناس، ويقول الحقيقة بلا خوف ولا مجاملة لبنان لا يحتاج إلى شفقة، بل يحتاج دولة وعدالة، ومحاسبة. ثقتنا بصوتكم وضميركم كبيرة، ورجاؤنا أن يبقى وجع اللبناني أولوية”.
وختم الراعي: “فلنصل، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء يا رب، علمنا الصلاة بتواضع، والعمل بمحبة. احفظ لبنان، وارفعه بالحق والسلام. لك أخ المجد والشكر إلى الأبد، آمين”.
وبعد القداس، استقبل البطريرك المشاركين في القداس، وألقى رئيس إقليم كاريتاس الجبة الدكتور إيليا إيليا كلمة شكر فيها للبطريرك رعايته الدائمة لكاريتاس ودعم رسالتها الانسانية والاجتماعية. وتوجه بشكر خاص للأب سمير غاوي والمطران جوزيف نفاع و الخوري خليل عرب وكل اعضاء إقليم كاريتاس الجبة على جهودهم وعطائهم الصامت.