الأثنين 30 صفر 1444 ﻫ - 26 سبتمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الشامي: لفصل سعر الصرف عن السياسات الضريبية والاجتماعية

بعد قانون الـ”كابيتال كونترول”، أبدى نائب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعادة الشامي ملاحظاته في موضوع “الدولار الجمركي”، ‏لافتاً إلى “ضرورة فصل سعر الصرف عن السياسات الضريبية والاجتماعية”.‏

وأورد في بيان ما يأتي: “إن السجال الدائر اليوم حول سعر الصرف الذي يجب اعتماده لتحديد رسوم الاستيراد، أو ما يُعرف ب ‏‏“الدولار الجمركي”، تشعَّب بشكل واسع النطاق ودخل حلبةَ الكباش السياسي الحاد، وكثرت التحليلات والتفسيرات التي جاءت ‏بمعظمها معارضة لرفع “الدولار الجمركي”. صدرت معظم هذه المواقف عن قطاعاتٍ وجِهاتٍ تعتقد أنها ستتضرر من هكذا زيادة ‏ولكن من دون الأخذ بعين الاعتبار ما لاستمرار تطبيق سعر الصرف الرسمي من وقعٍ سلبي على إيرادات الموازنة والوضع المالي ‏بشكل عام، ومن عواقب وخيمة على الوضع الاقتصادي بشكل أشمل. ثمة ضرورة ملحّة لتعديل سعر الصرف من أجل إعادة الانتظام ‏إلى المالية العامة وتغطية نفقات القطاع العام وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين وإرساء الاستقرار الماكرو اقتصادي المطلوب ‏لتحفيز النمو وخلق فرص عمل وتخفيض مستوى الفقر‎.‎

لِذا من الواجب مقاربة هذه المسألة بتجرّد وحصر النقاش في هذا الموضوع بالذات من دون محاولة ربطه بأمور أُخرى متشعبة وعميقة ‏تحتاج معالجتها الى مزيدٍ من الإجراءات والوقت. من الطبيعي أن يرتبط قرار رفع سعر صرف “الدولار الجمركي” بتحسين الجباية ‏ومكافحة التهرب الضريبي والّذين لن تظهر نتيجتهما فوراً، بل عبر مسارٍ طويل يجب العمل عليه بالتوازي، ولكن من دون جعل ‏النتائج المرجوّة شروطاً مسبقة لتعديل سعر الصرف‎.‎

وفي هذا الخصوص، أجد من المهم توضيح الأمور التالية‎:‎

‏ إن معظم المعاملات في لبنان لا تتم على سعر الصرف الرسمي، بل على سعر صرف السوق باستثناء الضرائب والرسوم الجمركية ‏التي تشكل السواد الأعظم من موارد الخزينة مما ينتج فجوةٌ شاسعة بين الإيرادات والنفقات. بالإضافة لذلك، فوجود أسعار صرف ‏متعددة يفسح مجالاتٍ وفيرة للتلاعب ويخلق تشوهات كبيرة في الاقتصاد الوطني‎.‎

في هذا الإطار، من المفضل ربط “الدولار الجمركي” بسعر الصيرفة والذي سيصبح السعر الرسمي الوحيد عندما تُلغى جميع أسعار ‏الصرف الأخرى لتتحول منصة صيرفة إلى منصة فعلية لتلقي العرض والطلب على الدولار والعملات الأجنبية الأساسية الأخرى ‏وذلك تبعاً لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أقرَّته الحكومة اللبنانية. فمن الضروري توحيد أسعار الصرف تمهيداً لاعتماد سعر ‏صرف مَرِن يعكس الأساسيات الاقتصادية والمالية والنقدية. إن ربط “الدولار الجمركي” بسعر صرف المنصة سيؤدي الى تَحَرّكِهِ ‏بشكل تلقائي ويُغني عن اللجوء دورياً الى نقاش وسجالات تؤدي الى ضياع المزيد من الوقت الذي نحن بأشد الحاجة اليه‎.‎

‎ ‎أما إذا نتج عن مستوى الرسوم الجمركية المستوفاة ضررٌ بالاقتصاد و/أو بالفئات ذات الدخل المحدود، فيمكن عندها عبر السياسة ‏الضريبية تعديل نسبة الضريبة من دون المسّ والتلاعب بسعر الصرف المعتمد. بمعنى آخر، من غير المسموح متابعة استعمال سعر ‏الصرف كوسيلة – أثبتت فشلَها — لتحقيق العدالة الاجتماعية. تتم معالجة الفروقات الاجتماعية أيضاً من خلال شبكات الأمان ‏الاجتماعي وليس من خلال سعر الصرف كما حدث في الماضي. فمعاناة الناس القاتلة وهموم الحياة اليومية وصعوبة تامين أدنى ‏مقومات الحياة الأساسية للغالبية العظمى من المواطنين يعالج من خلال سياسات إصلاحية تخفض نسبة التضخم وتحفز النمو وتخلق ‏فرص عمل وليس باتباع سياسات آنية قد تكون مقبولة شعبياً ولكنها قد تزيد من حدة الأزمة في المستقبل‎.‎

‎ ‎‏إنّ موازنة ٢٠٢٢ قد أُعِدَّت أصلاً على أساس سعر صرف ٢٠،٠٠٠ ل.ل. للدولار وهو السعر الذي كان سائداً في ذلك الوقت وعلى ‏أساسه قُدِّرت الإيرادات والنفقات والتي تضمنت زيادة في الرواتب والأجور التي هَوَتْ إلى مستويات جد متدنية. لقد أدّى كل ذلك إلى ‏تعطيل شبه كامل للخدمات العامة نظراً لتدني القدرة المعيشية لعاملي القطاع العام على اختلاف فئاتهم حتى وصل الأمر إلى عدم قدرة ‏بعضهم الوصول إلى مراكز عملهم. وهذا قَلَّص بدوره من قدرة تحصيل إيرادات الدولة وفاقم من حدة الأزمة التي نعيشها اليوم. لقد ‏أصبحت الحاجة ماسة لتصحيح الأجور في القطاع العام كما لزيادة إيرادات الدولة. أما المناداة باعتماد أسعار صرف أخرى، تارة ثمانية ‏آلاف وطوراً عشرة آلاف ليرة للدولار الواحد أو غيرها من الأسعار فهي لا تعتمد على أي أسس أو معايير منطقية‎.‎

يتغاضى البعض عن الأثر السلبي الّذي تخلّفه زيادة الأجور والنفقات الأخرى من دون إيجاد مصادر التمويل الملائمة على الموازنة ‏والإطار المالي المتوسط الأجل (٢٠٢٣-٢٠٢٦) وعلى عجوزات الخزينة التي يجب أن تبقى ضمن حدودٍ معينة وهي التي أدّت إلى ‏تراكم الدين العام وعدم القدرة على تسديده. إنّ سياسة تمويل عجز الموازنة من البنك المركزي عبر طبع العملة كما جرت العادة عبر ‏سنين عديدة لم تعد مسموحة ولا ممكنة حسب برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي، وذلك لتجنب مزيد من التضخم وتدني سعر ‏الصرف. لِذا عند مناقشة واعتماد السياسات المالية والنقدية وسياسة سعر الصرف، من المهم أن نُبقي التجارب السابقة نصبَ عُيوننا ‏ونستفيد منها لنتدارك الأخطاء التي دفعت بالاقتصاد اللبناني نحو الهاوية‎.‎

‎ ‎إن التخوف من انعكاس رفع “الدولار الجمركي” على الأسعار بشكل عام هو تخوف مشروع وإن يكن في اعتقادي مبالغاً فيه. إن ‏معظم السلع والخدمات الأساسية هي معفية من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، ولكن لا شك أن ارتفاع أسعار السلع ‏والخدمات الأخرى قد يؤثر بدوره على كل الأسعار وحتى الأساسية منها. ولكن هذه الزيادة، مهما بلغت، تبقى منخفضة بالنسبة لارتفاع ‏الأجور المنوي اعتماده مما سيؤدي إلى تحسين القدرة الشرائية للعاملين في القطاع العام. أما القطاع الخاص فهو أكثر ليونة واستجابة ‏للمتغيرات الاقتصادية، فقد عُدِّلت الأجور فيه بشكل مقبول نسبياً. أما فيما خص العاطلين عن العمل والفئات الفقيرة والمهمّشة، فتكون ‏معالجة أوضاعهم من خلال شبكات الأمان الاجتماعي. وفي هذا الإطار، فإنّ الموارد الإضافية المتأتية من جرّاء زيادة “الدولار ‏الجمركي” على السلع الكمالية والفاخرة التي تدفعها الفئات الأكثر يسراً، فبإمكانها المساهمة في مساعدة الشرائح الاجتماعية المهمشة‎.‎

‎ ‎إن اعتماد أسعار صرف السوق، أو أقلّه في الوقت الحاضر سعر الصيرفة (الذي سيصبح سعر السوق) على الرسوم الجمركية ‏سيخفض من حجم الاستيراد وقيمته وكذلك الطلب على الاحتياطات الأجنبية التي تتضاءل يوماً بعد يوم. وفي الموازاة، سيساعد هذا ‏في تشجيع الصادرات اللبنانية والتي بدأت بالفعل بالتحسن من خلال الزيادة في تنافسيتها، ويزيد في الوقت نفسه الطلب على السلع ‏المنتَجة محليا مما لذلك من آثار إيجابية على النمو وسوق العمل‎.‎

‎ ‎‏إن اللجوء إلى سعر صرف مصطنع وبفرقٍ شاسع عن سعر صرف السوق لخدمة أهداف اجتماعية ما هو إلّا المضي بسياسة الدعم ‏التي عانينا منها في الفترة السابقة وأدّت الى استنزاف الاحتياطات بالعملات الأجنبية. هذا النوع من الدعم العشوائي غير الموجه إلى ‏الفئات الأكثر عوزاً يطال الجميع، وحتّى ليس بالتساوي إذ يستفيد منه المُقتدرون وكبار المستهلكين أكثر بأشواطٍ من الطبقات الفقيرة ‏والوسطى. فهل من العدل أو المنطق أو السياسة السليمة في إطار وضع مالي متهاوٍ أن يُسدِّد البعض رسوماً جمركية على سعر صرف ‏‏١،٥٠٠ ل.ل. للدولار، مثلاً عند استيراد سيارة فاخرة تُقدَّر قيمتُها بعشرات آلاف الدولارات؟ كما أوَدُّ التحذير من اللجوء إلى اعتماد ‏سعر صرف مُتَدرّج والذي سيخلق حتماً” الكثير من التشوهات والمضاربات والتخزين للاستفادة من ارتفاع سعر الصرف‎.‎

وفي الأخير، وبما أنه لم يبقَ الكثير من الوقت في سنة ٢٠٢٢ فإنه من الأفضل إقرار الموازنة قريباً، وإن لم تكن مثلى برأي البعض، ‏باعتماد سعر الصيرفة في تحديد الرسوم الجمركية والذي يجب أن يطبق في موازنة 2023. وفي المناسبة حان وقت الانصراف جدياً ‏الى موازنة ٢٠٢٣ لإعدادها بشكل مدروس ومتقن ضمن إطار مالي متوسط الأجل وضمن المهل الدستورية لخدمة الأهداف الأساسية ‏لخطة النهوض الاقتصادي‎”.‎