استمع لاذاعتنا

الصندوق ودوروثي و”القاضي الجسور”

سقطنا في القاع. أسوأ ما يمكن أن يواجه شعبًا ووطنًا في دولة فاشلة نحن فيه الآن. وجب الخروج من دائرة المفاجآت. من الدهشة. من العجب.

ما عادت الكبائر كبيرة. بات المتعيشون على أجر وراتب يعملون بنظام أقرب إلى السخرة. حدّ الأجور الأدنى دون المئة دولار أميركي لمن يعمل.

الرغيف عزّ هو الآخر. بقيت الحرية ترعب النظام الزبائني فيستهدفونها. القضاء محجور عليه من الحاكم. البلد مسروق ومنهوب يقول الحاكم والحكومة. ويدّعون العمل على استعادة الأموال المنهوبة. لم يعتقل ناهب ولا سارق ولو على ذمّة التحقيق. الجوعى والعاطلون من العمل والطلبة والمثقفون والنساء والشباب والأطفال والشيّب، الذين يتحركون في شوارع لبنان ومناطقه “شتّامون قليلو الحياء والتهذيب. وحدها عصابة الأشرار شريفة ومصونة”..

أرحم بالفعل..
توقعنا في مقالة سابقة أن يكون صندوق النقد الدولي أرحم من النظام الزبائني وأقل وقاحة. ها هي المديرة التنفيذية في صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا تتفجّع علينا. “يفطر قلبي – قالت – لأن البلد له ثقافة قوية في ريادة الأعمال، ويستقبل لاجئين من فلسطين وسوريا مساعدة منه في تخفيف أزمة انسانية كبيرة”. وسألت في حوار إلكتروني نظمته “رويترز”، هل يمكن أن تكون هناك مجموعة إصلاحات شديدة الصعوبة لكنها ضرورية؟ هذا جوهر القضية قالت جورجيفا. وأكّدت “إننا نضع الأشخاص الأنسب لدينا للعمل مع لبنان. لكننا حتى الآن ليس لدينا أي سبب للقول أن هناك تقدمًا”.

تكرارًا، لن نحصل على برنامج قروض من صندوق النقد الدولي بصرف الاعتبار عن حجم القروض ومن أي فئة، قبل قبول منظومة الحكم التنازل عن امتيازاتها من خزانة الدولة ومؤسساتها وإداراتها. لذلك، لم يعد مستبعدًا أن تتوقف المفاوضات التي لم تبلغ بعد عمقها. تزداد تعقيدًا على مستويات ثلاثة. الأول، قضية مقاربة الخسائر على خلفية توزيعها بين المصارف وبين مصرف لبنان من جهة، وبين الدولة من جهة ثانية.

ويرتبط بذلك توزيع الأعباء على الأطراف الثلاثة. جديد هذا الجانب ما بدأنا تلمّسه من اعتراض المصارف على موقف الصندوق القريب من مقاربة الحكومة للخسائر، المدعوم من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ولجنة المال والموازنة النيابية وعدد كبير من النوّاب. ويُلحظ غياب مجلس النوّاب كمؤسسة عن الصورة.

إذ أن المجلس لم يناقش الخطة الحكومية التي كمنت لها لجنة المال والموازنة في منتصف الطريق قبل عرضها على هيئة المجلس العامّة. يشبه الوضع كثيرًا قضية تشريع الكابيتال كونترول الذي أحبطه برّي قبل الوصول إلى المجلس. فتراجع عنه وزير المال غازي وزني والحكومة قبل أن تعود محاولات إحيائه بعد مليارات الدولار الأميركي التي تحولّت إلى الخارج..

وفي صرف النظر عن مواطن الخلل في الخطة الحكومية وتوقعاتها المتصلة بالناتج المحلي والدين إلى الناتج، فالخطة تحتاج إلى عشرات التشريعات من مجلس النوّاب. وبحسب المعلومات استشعر مفاوضو صندوق النقد حجم الفجوة السياسية في الموقف الحكومي التي بنت عليها جورجيفا بعض ما قالته. خصوصًا إشارتها إلى أن مفاوضي الصندوق هم “الأنسب” الذين اختيروا إلى لبنان. يعني ذلك تبنّي الصندوق موقف بعثته المؤيد لمقاربة الخسائر في الخطة الحكومية.

أمّا التعقيد الثالث، الذي قد يترك أثرًا سلبيًا على المفاوضات، فهو قرار قاضي العجلة في صور منع السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيّا من التحدث إلى الإعلام، ومنع وسائل الإعلام من نقل تصريحات السفيرة وإجراء مقابلات معها. لبنان يعلم استحالة موافقة صندوق النقد الدولي على قروض ميسّرة للبنان من دون موافقة واشنطن، التي لا بدّ تلقّفت القرار ضد سفيرتها في بيروت موقفًا سياسيًا معاديًا.

ويأتي القرار القضائي وقت يضغط فيه أعضاء في الكونغرس لوقف المساعدات عن لبنان على خلفية الصراع مع واشنطن والعقوبات على “حزب الله”. وتنظر الإدارة الأميركية إلى إسهاماتها المالية في صندوق النقد والمصرف الدوليين بأنها من مواطنيها دافعي الضرائب. لاسيما بعد 100 مليار دولار أميركي برنامج قروض من الصندوق لجبه وباء كورونا باشر بإقراضه إلى عشرات الدول.

ويطلب الصندوق زيادة تمويله بحصة وازنة من واشنطن. تصنيف ألمانيا “حزب الله” إرهابيًا كان له بعده القوي أوروبيًا بعد دول أخرى سلكت التصنيف نفسه. وسيتيح لواشنطن في مجلس مديري الصندوق التحكّم بقرار برنامج قروض لبنان على نحو أيسر. وفي هذه الحال، قد يرحّل الصندوق الموقف الأميركي المحتمل من إقراض لبنان إلى غياب التوافق اللبناني الداخلي على موقف موحدّ من المفاوضات. كم يبدو لبنان في غربة عمّا يجري في الداخل والخارج!

“القاضي الجسور”
القضاء المستقلّ شرط من شروط الصندوق للتعاون مع لبنان لأنه شأن إصلاحي في الدرجة الأولى، ومفتاح مكافحة الفساد واستعادة المودعين حقوقهم والمال المنهوب من الخارج. بينما ينتظر اللبنانيون توقيع رئيس الجمهورية ميشال عون مرسوم التشكيلات القضائية، والدفع بتشريع قانون القضاء المستقلّ، جاء قرار قاضي العجلة في صور الذي أخذ في طريقه “سياقًا حرية الصحافة والإعلام”..

ويعلم “القاضي الجسور” الذي تجرّأ على سفيرة “الدولة الأعظم”، أن صحافة تلك الدولة ووسائل إعلامها منتشرة في كل أصقاع العالم لتنقل تصريحات السفيرة وغيرها من السفيرات والسفراء ثوانيَ بعد اطلاقها وبالـ”دوت كوم”. إلّا إذا كان القرار يشمل الصحافة الأميركية ووسائل إعلامها أيضًا في بلادها وعبر الفضاء الكوني وما وراء والمحيطات! ألم يكن من الأفضل لو قرّر قاضي العجلة وعلى عجل، إلغاء الدولرة التي تستبدّ بنا واستبدال الليرة اللبنانية بها، وهي عملة الجمهورية اللبنانية المنصوص عنها قانونًا وحدها من دون غيرها. وإذا أفلح فملاحقة عملة السفيرة في رياح الأرض الأربعة..

تبقى العقوبة على صحافة لبنان ومن بقي منها، وعلى وسائل الإعلام اللبنانية. وفي اعتقادي أن هذا الجزء هو أهم من “عقوبة واشنطن وسفيرتها”. هذا شأن كل الأنظمة العربية والإسلامية التوتاليتارية. فيتساوى القمع والفقر. لا تتعبوا أنفسكم.