“الطائف” أمام محاولات تعديله

يشكو معظم أهل السياسة في لبنان من استمرار الخروق التي تعيق تطبيق اتفاق «الطائف»، وتدفع في اتجاه تعديله بالممارسة لا في النصوص، على رغم أن جميع الأطراف يتبارون في الدفاع عنه والتمسك به، ويرون أن تطويره لتنقيته من الشوائب، يجب أن يحظى بالإجماع بدلاً من أن يتيح لفريق الغلبة على الآخر.

إلا أن صمت الرئيس الحريري حيال الخروق التي تستهدف «الطائف» لا يعني أبداً أنه في وارد التكيُّف مع المحاولات الهادفة إلى تعديله؛ لما يترتب عليه من إقحام لبنان في فوضى سياسية، بمقدار ما أنه اعتمد سياسة الصبر لعل البعض يبادر إلى الكف عن مغامراته للعب بالنسيج الوطني للبلد.

فإن العودة لإعادة الاعتبار إلى «الطائف» تبدأ، كما تقول مصادر نيابية ووزارية، باعتماد مقر خاص لمجلس الوزراء يرأس الجلسات رئيس الحكومة، وفي حال حضور رئيس الجمهورية فإنه يرأس جلساته، خصوصاً أن هناك ضرورة إلى سماع الرأي والرأي الآخر للوزراء.

وتسأل المصادر هذه: «ما المانع من أن يرأس رئيس الحكومة جلسات مجلس الوزراء، وأن يرأسها رئيس الجمهورية في حال حضوره، شرط أن يصار إلى تحديد مقر خاص لمجلس الوزراء؟». وتؤكد المصادر نفسها، أن هناك ضرورة إلى تعزيز عامل الثقة بين الرئيسين على قاعدة مراعاة الحريري الذي لم يتردد في تقديم التضحية تلو الأخرى من كيسه الخاص بدءاً بتسهيل انتخاب الرئيس، ومروراً بقانون الانتخاب وانتهاءً بتشكيل الحكومة، علماً بأن بعض تضحياته لم تلق ارتياحاً لدى البعض في جمهور تيار «المستقبل».

أما القول إن تضحياته كانت وراء إسناد رئاسة الحكومة إليه، فإن هذا لا يعكس ميزان القوى الحقيقي باعتبار أنه الأكثر تمثيلاً في طائفته من ناحية، ويشكل حاجة دولية وعربية؛ لما يتمتع به من ثقة ولديه القدرة على توظيف كل هذا للانتقال بالبلد من التأزم إلى الانفراج ولو على دفعات، شرط أن يلاقيه هذا الطرف أو ذاك في منتصف الطريق بدلاً من اللجوء إلى المزايدات «الشعبوية».

وعليه، لا بد من إعادة الاعتبار إلى «الطائف» ليكون الناظم الوحيد لتأمين الاستقرار السياسي بدلاً من أن يصرّ البعض على «مكافأة» الحريري من كيسه، وهذا ما يرفضه الأخير من منطلق أن صمته لن يبقى إلى الأبد، وسيأتي الوقت الذي يضطر فيه إلى أن يبقّ البحص لوضع النقاط على الحروف، انطلاقاً من أن التسوية تقوم على التزام المعنيين بها، ولا تقتصر التضحيات على فريق دون الآخر.

وفي الختام، تستحضر المصادر بعض «الهفوات» الدستورية التي كادت تهدد «الطائف» لو لم يتم تطويق مفاعيلها السلبية التي ترتد على إعادة إنتاج السلطة في لبنان.

ومن هذه «الهفوات» لجوء البعض إلى التهويل على الحريري من خلال الصعوبات التي واجهها في مرحلة المشاورات لتشكيل الحكومة، تارة بتلويحه بسحب تكليفه تشكيل الحكومة، وأخرى بوضع تقاليد وأعراف لا صلة لها بـ«الطائف»، إضافة إلى الالتفاف على صلاحيات رئيس الحكومة، وأبرزها أنه الناطق الوحيد باسمها وعدم تفرّد الوزراء باتخاذ مواقف تحرج الحكومة، وتشكّل خروجاً على سياسة النأي بالنفس التي تلتزم بها، إضافة إلى أن الحكومة مجتمعة هي التي تتولى رسم السياسة العامة للبنان، ومن غير الجائز أن ينتدب هذا أو ذاك نفسه لاتخاذ مواقف تتعارض مع الخط البياني العام لمجلس الوزراء.

لذلك؛ تعتقد المصادر أنه آن الأوان لضبط الإيقاع العام للحكومة لمنع بعض من فيها من الانزلاق في متاهات تؤثر سلباً على خريطة الطريق التي وضعها الحريري لنفسه لاستعادة الثقة العربية والدولية بلبنان، مع تأكيدها أن هناك فرصة أمام لبنان باستثمار تحييده عن الصراعات في المنطقة والالتفات إلى معالجة مشكلاته مشروطة بتوفير الحماية للتسوية الداخلية؛ لأن ليس هناك من يتحمل أن يدفع ثمن الفاتورة السياسية في حال العودة بالبلد إلى الوراء.

 

المصدر الشرق الاوسط

شاهد أيضاً