استمع لاذاعتنا

العقوبات الأميركية مسّت باسيل عمداً: لا حكومة في لبنان

لم يكن إدراج الخزانة الأميركية لاسم “مسيحي” على لائحة عقوباتها ضد حزب الله، مجرد تفصيل عابر. الأهمية ليست في الإسم و”تهمته” ودوره وموقعه، بل في رمزيته. وهي دليل على أن هناك أموراً كثيرة تتغير لدى الإدارة الأميركية في التعامل مع الملف اللبناني. إذ أن العقوبات كانت سابقاً تقتصر على أبناء الطائفة الشيعية.

مصالح المسيحيين ومصلحة باسيل
فرض عقوبات على لبناني مسيحي، سيكون له وقع مغاير لدى مختلف الشرائح اللبنانية، وخصوصاً لدى المسيحيين، لا سيما أن المعلومات تفيد بلائحة من 25 اسماً لبنانياً من مختلف الطوائف، قد تعلن الخزانة الأميركية إدراجهم على لائحة العقوبات تباعاً، وعندما تختار “التوقيت السياسي المناسب”.

كذلك، ليس تفصيلاً أن تصدر هذه لائحة المعاقبين الجدد، التي أدرجت طوني صعب فيها، في غمرة الانهماك اللبناني بالحديث عن تشكيل الحكومة اللبنانية، لا سيما أن المعلومات المتوافرة عن صعب أنه قريب من الوزير جبران باسيل والتيار الوطني الحرّ. ما يعني أن الرسالة الموجهة إلى باسيل واضحة. وقد تكون هذه الخطوة تمهيد لخطوات أخرى. ولذا، لا تنفصل هذه الإشارة عن إعلان باسيل الخروج من الحكومة، والاتجاه إلى المعارضة هو وتياره معاً.

قرار باسيل بالخروج من الحكومة، يأتي بعد تأكده من أن الفيتو الدولي المفروض عليه حاسم، ولا يمكن تجاوزه حالياً. وكأن هناك من يقول له “أن إصرارك على المعاندة والاستمرار في الحكومة، قد يؤدي إلى إجراءات أقسى دولية، أميركية بالأخص، ستطال الدولة اللبنانية برمتها”. وما يعنيه ذلك من إصابة لمصالح المسيحيين. لذلك، أيقن باسيل أن الخروج من الحكومة لا بد منه، على الأقل بانتظار أن يجد السبيل لتسوية وضعه دولياً، ربما قبل أن تتشكل الحكومة.

حكومة عون ونصرالله
قد يعني هذا أن باسيل أعلن استعداده للخروج من الحكومة. لكنه وضع جملة شروط لها، إذا أضفنا إليها الشروط التي يفرضها رئيس الجمهورية ميشال عون حول عدم المشاركة في حكومة يترأسها سعد الحريري، وإذا ربطناها أيضاً بشرط حزب الله أن لا تشكيل لحكومة لا تضم كل القوى، وفق صيغة “الوحدة الوطنية” والتي تضم كل القوى السياسية الأساسية بما فيها التيار الوطني الحرّ.. فإن ذلك كله يعني إطالة أمد عملية التشكيل، إلى حين ترتيب تفاهم إقليمي دولي يعيد إنتاج هكذا حكومة. وطوال هذا الوقت المديد ستحاول كل القوى الاستثمار بـ”الوقت الضائع” لتحسين شروطها. وهذا بالضبط ما سيحاول باسيل أن يفعله.

 لو لم يكن باسيل متأكداً من أن الضغط الدولي عليه كبير، لما أقدم على هذه الخطوة، معلناً الذهاب إلى المعارضة. فرمى الكرة في ملعب الحريري ووضعه في مواجهة مع الناس والشارع. وسيستكمل باسيل نشاطه على الأرض عبر تحركات عديدة تجاه مرافق أساسية محسوبة على “الحريرية السياسية”، وتحميلها مسؤولية الفساد والهدر. بينما في المقابل، سيكون الحريري أسير معادلة باسيل في ضوء شروط عون وشروط نصر الله معاً. فعون لن يشارك في حكومة يترأسها الحريري، وطبعاً التيار الوطني الحرّ كذلك. حزب الله رفض هذه المعادلة، ووضع خيارين أمام القوى السياسية، حكومة برئاسة الحريري تضم كل القوى، وهذه تعني التزام الحريري بشروط باسيل ورئيس الجمهورية، وما يقتضيه ذلك من مساعدة باسيل لتجاوز الفيتو والعقوبات. أما الخيار الثاني فهو تشكيل حكومة تضم كل القوى السياسية برئاسة شخصية يختارها الحريري ويكون تياره مشاركاً فيها.

“تأهيل” جبران باسيل
يمكن اختصار هذه الواقع بأنه استمرار لمعادلة باسيل المعروفة، رأسه مقابل رأس الحريري. وطالما هو سيخرج من الحكومة، يريد إخراج الحريري معه، ولن يسمح له بالبقاء، في ظل شروط عون وحزب الله. هنا يصبح النقاش في تفاصيل التكليف والاستشارات مسألة عابرة، لأن الأساس سيكون للتأليف. وحتى لو كلّف الحريري الإثنين بتشكيل الحكومة، فلن يتمكن من التأليف من دون شروط عون وباسيل وحزب الله. على هذا المنوال، سيطول أمد التشكيل بانتظار تسوية خارجية ما، تنتج حلاً، لا يستثني أحداً.

هذا الحلّ، سيرتبط بما سيتمكن باسيل من إنجازه على المستوى الشخصي تأهيلاً لإعادة توزيره وضمان مستقبله السياسي دولياً. لذلك سيكثف من تحركاته لتجديد شرعيته دولياً. وهو يعلم أن لا شيء دولياً ثابت أو يدوم، وعلى يقين أن كل الضغوط الأميركية الممارسة على إيران وحزب الله وحلفائهما لها غاية واحدة هي التفاوض. لكنّه بالتأكيد لم يعد قادراً على تحمّل كل هذه الضغوط الدولية. وكل المكابرة التي كان يتمسك بها في السابق، لم تعد مجدية حالياً. فإذا ما أصدر الأميركيون عقوبات جديدة بحق أشخاص مسيحيين، فإن باسيل سيخسر كثيراً، وسيخسر الصورة التي حاول بنائها لذاته، بأنه الرجل الذي يعيد “الحقوق” للمسيحيين ويمنحهم القوة. فقد يجدهم ينفضون من حوله خوفاً من العقوبات وتأثيراتها.

صحيح أن الرجل لا يستسلم ولا يستكين. وهو بالتأكيد في أمس الحاجة للوصول إلى تفاهم أميركي إيراني، كان يراهن عليه سابقاً ويجد نفسه فيه، ليحظى بحمايته ورعايته، بل ولطالما كانت له مواقف دولية عديدة تشير بوضوح إلى هذا الرهان، إضافة إلى رهانه على “التحالف المشرقي”، وما بينهما “نقطة وصل” أساسية أعلن عنها صراحة أن لا خلاف ايديولوجي مع إسرائيل، ولها الحق بالسلام، شرط أن لا تعتدي على أحد.

المشهد الليلي
انتقل صراع القوى السياسية على الحكومة العتيدة، تكليفاً وتأليفاً، من أروقة التفاوض إلى الشارع. وشاهدنا صورته الأولى في خروج مجموعات الخندق الغميق نحو اللعازارية، فيما كانت صورته الثانية أمام مجلس النواب حين انقضت القوى الأمنية بعنف مفرط ضد المتظاهرين، هي عينها القوى التي لا تتجرأ على مواجهة مجموعات الخندق.

المشهد بصورتيه، يكشف سلوك السلطة، في محاولة جناح منها الاستيلاء على الساحات ومحاولة جناح آخر قمع المتظاهرين السلميين. وقد يدخل على المشهد يوم الأحد خروج التيار الوطني الحر إلى الشارع بمؤازرة من بعض حلفائه السنّة في بيروت والبقاع (فؤاد مخزومي وعبد الرحيم مراد وآخرين..) بهدف قطع الطريق على موعد الاستشارات يوم الاثنين، وربما أيضاً لتوريط القوى الأمنية بالمزيد من الصدامات العنيفة، على نحو يتحول فيه الحريري ووزيرة الداخلية ريا الحسنّ إلى عدوين للثورة وللشعب، وبتهمة أن الحريري يريد القضاء على الثورة بعدما ضمن عودته بالأصوات اللازمة لتسميته وتكليفه.
وهذا يدل أن المواجهة بين أقطاب السلطة باتت – ويا للمفارقة- تتم في ساحة الثورة وباسمها!