الثلاثاء 1 ربيع الأول 1444 ﻫ - 27 سبتمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

اللحظة الاستراتيجية للترسيم لم تتبلور بعد

منير الربيع - المدن
A A A
طباعة المقال

هل فعلاً هناك مسار جدّي لإنجاز ملف ترسيم الحدود في هذه المرحلة؟ لا بد من طرح السؤال بتجرّد واستعراض الوقائع والمسار منذ ‏بدايته إلى اليوم، بعيدا عن “العاطفة الوطنية‎”.‎
لا جدية لبنانية يمكن ترجمتها على أرض الواقع في مقاربة الملف. يركّز اللبنانيون في طروحاتهم على المؤشرات الإيجابية، وهو ما ‏يلتقون به مع الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين الذي أكد تفاؤله في أكثر من زيارة ومحطّة‎.‎

قبل فترة أعلن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله أن هناك مماطلة إسرائيلية وأميركية في إنجاز ملف الترسيم وأنهما لا ‏يريدان إنجازه. في الموازاة ثمة مماطلة مقابلة من الجانب اللبناني والحزب ليس بعيداً عنها‎.‎

تضارب في المعطيات
يعيش لبنان تضارباً كبيراً في المعطيات إزاء هذا الملف. منذ إقرار اتفاق الإطار الى اليوم، وما بينهما من سجالات وصراعات حول ‏الخطّ 29 وتوقيع تعديل المرسوم 6433، وصولاً إلى المطالبة بالخطّ 23 كاملاً مع حقل قانا، مروراً بمطالب إسرائيلية حول قضم ‏مساحة من البلوك رقم 8 ومن ثم التراجع عنه، أو المطالبة بتعويضات رفضها لبنان فيما يفترض بالشركات أن تتولى هذا الأمر‎.‎

وسط هذه العناوين كلها برزت مشكلة “نقطة إنطلاق الخطّ 23”. والتي يقول المسؤولون بأن لا علاقة لها بالبر ولا بالنقطة‎ B1 ‎وهو ‏قول غير صحيح‎.‎
كل هذا التضارب يعكس إما عبثية أو تضارباَ في المصالح، أو رغبة جامحة وطموحا كبيراً في إعلان الإنجاز. وهو أمر يرتبط بملفات ‏أكبر، فهناك قناعة راسخة بأنه لا يمكن الوصول إلى اتفاق الترسيم قبل الوصول إلى اتفاقات كبرى على الصعيدين الخارجي والداخلي ‏لإعادة رسم ملامح النظام السياسي وموازين القوى فيه‎.‎

التضارب الذي تابعه اللبنانيون إزاء الخط 29 وعدم تعديل المرسوم لحسابات متعددة أفضت إلى التنازل. ولكن في المقابل، نجح لبنان ‏في تحقيق مطالب أساسية وهي التي يصفونها بالتقدم الذي جرى إحرازه، أي الحصول على موافقة أميركية واسرائيلية بالخط 23 ‏كاملاً، ما يعني تراجع الإسرائيليين عن الخط 1 وخط هوف، بالإضافة إلى رفض مبدأ التنقيب المشترك ورفض مبدأ دفع التعويضات‎.‎

تلازم المسارين
حالياً برزت نقطة انطلاق خطّ الترسيم أو ما أصبح يُطلق عليه الخط الأزرق البحري، وبمجرد تسميته بالخطّ الأزرق يعني ضمناً ‏ربطه ولو رمزياً بالخطّ الأزرق البرّي، علماً أنه في المستقبل سيبدأ الحديث عن الترابط بين الملفين‎.‎
في الأساس ربط لبنان تلازم المسارين البرّي والبحري في الترسيم وهو مطلب لبناني بحت وهناك الكثير من المواقف بالصوت ‏والصورة للرئيس نبيه بري حول هذا الأمر. ما يعني أن طرح فكرة التلازم بين المسارين لبنانية وكانت أساسية لإنجاز الترسيمين وهو ‏ما لا يريده الأميركيون أو الإسرائيليون. وصل الأمر إلى هذه النقطة، على الرغم من نفي غالبية المسؤولين لذلك، والنفي مردّه ‏للحرص على الإيجابية ولعدم إجهاض الإتفاق‎.‎

السير بين النقاط
كل ما يجري يدفع إلى قناعة مرتكزة إلى تقديرات بأن الوقت لم يحن للإتفاق، ولكن لا أحد يريد انفراط عقد التفاوض لتجّنب التصعيد، ‏خصوصاً أن لا أحد يريد التصعيد لا “حزب الله” ولا إسرائيل. لذلك لا بد للطرفين من التنقل بين النقاط على وقع التهديدات ‏والمفاوضات. الغاية هي كسب الوقت، بينما سياقات الإتهامات الداخلية بين المسؤولين من شأنها فقط أن تؤدي إإلى تصغير هذه القضية ‏الإستراتيجية والوطنية. ولا بأس للأميركيين أو الإسرائيليين في الإستثمار بمثل هذه الصراعات الداخلية كما كانوا قد استثمروا من قبل ‏في الصراعات حول تعديل المرسوم 6433، بدعم جهات محسوبة عليهم تطالب بتعديله مقابل الضغط على المسؤولين وتهديدهم لعدم ‏التعديل. جزء من هذه العبثية الداخلية يستفيد منها الإسرائيليون كما الأميركيون. يتجدد العبث الآن حول الخط الأزرق البحري. فيما ‏هناك طرف يرغب باستعجال انجاز الإتفاق، وطرف آخر يفضل تأخيره إما لحسابات داخلية لما بعد انتخاب رئيس جديد، أو بعد ‏مغادرة الرئيس ميشال عون، وإما لحسابات أخرى ذات أبعاد استراتيجية‎.‎

انتقال إلى مرحلة جديدة
هنا لا بد من الإشارة إلى أن ترسيم الحدود البحرية يعني إعلان الإستقرار في تلك المنطقة، ويعني الإنتقال إلى ترسيم الحدود البرية، ‏ما يعني البحث بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا وهذا أمر سيكون له أبعاد مرتبطة بسلاح “حزب الله” وضغوط خارجية على هذا السلاح‎.‎

لا ينفصل ذلك عما حصل مؤخراً في موضوع اليونفيل، وسط توقعات بأن تثار هذه القضية أكثر في المرحلة المقبلة . وهي قد تؤدي ‏إلى توترات أو مناوشات بين الحزب واليونيفيل. الأكيد أن اللحظة الإستراتيجية لإنجاز هذا الملف لم تحن بعد وإذا كان في ذلك ‏مصلحة اسرائيلية أو أميركية بالتأكيد فلا مصلحة لـ”حزب الله” بذلك. هناك من يعتقد أن مثل هذه الإتفاقات لا تأتي إلا بعد حصول ‏تطورات كبرى إقليمياً وداخلياً، وأن فرض مثل هذه الحلول لا يحصل إلا بالإرتكاز على قوة عسكرية أو استعراض عسكري أو ‏مواجهة وإن كانت محدودة، لا يريدها أحد الآن. لاحقاً سيكون الحلّ جزء من سلّة متكاملة يُطرح فيها تعديلات تطال النظام أو تغير ‏التوازنات فيه‎.‎