استمع لاذاعتنا

المساعدات “توأم” الإصلاحات… و”الشحادة” ماشية

مرة جديدة نبتعد عن الأساسيات في معالجة الأزمات، ونتعمّق أكثر في استجداء الحلول من الخارج. إقتراب “موسى” المجاعة من عنق البلد، وتهديده بنحره من الوريد إلى الوريد، لم يحفّز المسؤولين على إبعاد شفرته، لمرة واحدة ونهائية، بل دفعهم إلى وضع رأس البلد من جديد تحت نير الاستعطاء، وتوسّل الخلاص الدولي.

تطوّران دوليان برزا في اليومين الماضيين: مراسلة رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري مجموعة من رؤساء الدول، طالباً منهم المساعدة وفتح اعتمادات تُسعف لبنان في توفير استمرارية الأمن الغذائي والمواد الأولية للإنتاج، وتحديد فرنسا موعداً لإجتماع الدول المانحة في الحادي عشر من الشهر الحالي، بعد غد، بغية توفير سلّة دعم مالية، من المتوقع أن تصل لحوالى 6 مليارات دولار.

 

لا مساعدات دولية

“نحن في حالة أزمة خانقة. ولم يعد هناك شيء ممكن أن يُنقذ لبنان إلا تدخّل المجتمع الدولي”، يقول المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية زياد عبد الصمد، إلا أن المشكلة هي أن “المجتمع الدولي يطالب لبنان منذ سنتين بإجراء الإصلاحات لتقديم العون، من دون أن يرى أي نتيجة فعلية. ما يؤشر إلى ان صندوق النقد الدولي ليس على استعداد لإعطاء لبنان إجازة حسن سلوك كي يستفيد من المساعدات، كما أنه ليس متحمساً للدخول الى لبنان قبل إجراء تدقيق في حسابات مصرف لبنان وإظهار المعلومات بشفافية”.

 

من الناحية الإقتصادية يظهر بوضوح أن المجتمع الدولي لن يدخل لبنان من دون إجراء الإصلاحات الضرورية، وتحديداً لجهة خفض عجز الموازنة وإصلاح الكهرباء وتعيين الهيئة الناظمة للقطاع وتطهير القطاع العام وإحترام المؤسسات… أما من الناحية الإنسانية ونتيجة الوضع الكارثي الذي وصل اليه لبنان، والذي بدأ يُترجم على أرض الواقع بإقفال المؤسسات وصرف العمال وتوقف الانتاج وتراجع القدرة على استيراد المواد الاولية والسلع الضرورية…

 

فإنه من الممكن ان تقوم مجموعة من الدول بتقديم المساعدة، وتحديداً في مجال تأمين الغذاء. والهدف، بحسب عبد الصمد، “لا يتعلق بمحاصرة أضرار الأزمة فحسب، بل خوفاً من ارتداداتها على الدول المجاورة، نظراً إلى أن لبنان يأوي أعداداً كبيرة من النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين. لذلك من الممكن أن يساهم المجتمع الدولي في تخفيف حدة الأزمة الغذائية. إنما الأكيد أن هذه المساعدات لن تكون عبر الحكومة المستقيلة أو الجهات الرسمية، إنما عبر قنوات المنظمات الدولية والمجتمع المدني”.

 

الحصار المُعقلن

ما يشهده لبنان، هو من جهة نتيجة التقاء العامل الداخلي المتمثّل بأزمات نقدية مالية سياسية واقتصادية غير مسبوقة، ومن الجهة الأخرى بسبب حصار دولي قاس، وتخلّ بارز من الدول التي لطالما وقفت الى جانبه وانتشلته من أزماته. بيد أن “هذا الحصار سيكون معقلناً، بحيث لن ترفع اليد نهائياً عن لبنان طالما أن للمجتمع الدولي، مصالح في هذا البلد الصغير”، يوضح رئيس قسم العلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية – الفرع الثالث وليد الايوبي. ويلفت إلى أن “المطالب الدولية مقسومة إلى قسمين: “الأول إقتصادي، يتعلق بملف النفط والغاز، والثاني استراتيجي، ويرتبط بأمن اسرائيل، ووجود حزب الله على الحدود، ودخوله بحلف يبدأ في بكين وينتهي عند بوابة فاطمة الحدودية مع فلسطين المحتلة”. إلا أن “المساعدات لن تُنقذ لبنان، وهي ربما ستكون بمثابة الصدمة الكهربائية لمريض فاقد الوعي، من الممكن أن تطيل أمد حياته، إلا أنها لن تُنقذه مما هو فيه، ذلك أن المشكلة الاقتصادية اللبنانية متعلقة بالنموذج الاقتصادي المعتمد القائم على الريوع، الذي لا يأخذ في الإعتبار الجانب الإجتماعي لدورة الحياة، والذي أثبت عدم جدواه وفعاليته”، يختم الأيوبي.

 

الترقيع

موقف الأيوبي يتقاطع مع رأي الخبير الإقتصادي كمال حمدان الذي وضع ما يحدث في “خانة الترقيع”. وبرأيه، “طالما ليس هناك برنامج واضح ومحدّد للتعاطي مع الازمة الفوقية، ومعالجة ارتداداتها المتوسطة والبعيدة الأجل، من خلال تقديم رؤية تقوم على توزيع الخسائر الناتجة عن الانهيار المالي والاقتصادي، وتحميل معظم كلفتها لمن استفاد أكثر من نمط الاقتصاد الريعي… تبقى كل المعالجات ترقيعاً بترقيع”.

 

مع الفشل الواضح للبعد الإقتصادي يظهر أن كل المبادارت تقع في خانة التسابق السياسي الداخلي، وبحسب عبد الصمد، فإن الهدف الأول من توجيه الرسائل الدولية هو “رغبة الحريري في إظهار نفسه على انه هو الرئيس الوحيد الذي يستطيع التواصل مع المجتمع الدولي، والقادر على حشد الدعم للبنان من خلال علاقاته المتينة مع رؤساء الدول. وهذا يذكّرنا بالسعي إلى تنظيم مؤتمر سيدر ودعم لبنان بـ 11 مليار دولار قبل شهرين من الانتخابات النيابية الأخيرة”. رافعة “سيدر” قد لا تفلح هذه المرة مع الدول الأوروبية. فالأخيرة ممكن ان تُلبّي دعوة فرنسا إلى لقاء في باريس، إنما من الممكن ألا يكون هذا الإجتماع منتجاً، بمعنى ألا يصدر عنه سوى التمنيات والمزيد من الإقتراحات، بوجوب تشكيل حكومة أخصائيين مستقلين قادرين على العمل الجدي والفعال. وبالتالي فإن الخلاص يبقى رهن الداخل وخياراته.​