استمع لاذاعتنا

المطران عودة:ما زال اللبنانيون يصفقون لزعماء يهدرون مستقبلَهم ومستقبلَ أولادهم

ألقى متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عودة عظة خلال ترأسه قداس الأحد، جاء فيها:

“السُّلطَةُ الوَحيدَةُ في المَسيحِيَّةِ هِيَ سُلطَةُ المَحَبَّة. عِندَما نُسَلِّطُ المَسيحَ على حَياتِنا نَضَعُ أنفُسَنا تَحتَ سُلطَةِ المَحَبَّةِ الحَـقـيـقـيَّــةِ الَّتي لا تُخالِطُها مَصلَحَةٍ، المحبَّةِ الصادرةِ عن قلبٍ طاهرٍ وضميرٍ حي وإيمانٍ لا رياءَ فيه. أَمَّا عِندَمَا نَضَعُ أَنـفُـسَنَـا تَحتَ سُلطَةِ الشَّيطانِ، أو سلطةِ شهواتِنا ومصالحِنا وأحزابِنا وقبائلِنا أَو أَيٍّ مِنَ الزُّعَـماءِ الأَرضِيِّينَ، فَإِنَّنا نَضَعُ نيرًا عَلى ظَهـرِنا سَيُحنينا إلى الأَرضِ ويُـذِلُّنا. نَسمَعُ كلاماً كَثيراً ضِدَّ المَسيحِ والكَنيسَة، فلا يَنهَزُّ كِيانُ الكَثيرين، لَكِن عِندَما تُسمَعُ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ عَنْ زَعيمِ أُولَئِكَ الكَثيرين، تَمتَلِئُ الشَّوارِعُ بِالمُحـتَجيّـن والمُنَـدِّدينَ وقُطَّاعِ الطُّرُق.

مُنذُ عامٍ، فَرِحْنا واليومَ نفرحُ بِبَدءِ تشَكُّلِ الوَعي الوطني الصادق الذي يَرفُضُ التَّبَعِيَّةَ والإستزلام، ويفضحُ الفسادَ وسوءَ الحكمِ والإدارة، ويَنشُدُ الدَّولَةَ العادلة، دَولَةَ القانونِ والمُؤَسَّسات. لكنَّ هذا الفَرَحَ يَتَلاشَى مَعَ عَودَةِ الروحِ الطَّائِفــِيّة والقَبَلِيَّة والحِزبِيّة. لَقَدْ أَثبَتنا أنَّنا لا نزالُ شعباً يحتاجُ الكثيرَ مِنَ الوعي والحُريَّة. هل فَوَّتْنا فرصةَ صُنعِ التغيير؟ لقد نَسِيَ اللُّبنانيُّ اللهَ، وألَّهَ أشخاصاً مائتين ومُميتين، لكنهم لم يكونوا على قدرٍ كافٍ من المسؤوليةَ للحفاظِ على لبنانِ الرسالة الذي يتغنى به الجميع. وماذا بقي من تلك الرسالة، رسالةِ التسامحِ والأخوّةِ والمحبةِ وقـبولِ الآخر واحترامِ رأيِه ومعتقدِه وحريَتِه؟ نحن نعيشُ في فسادٍ سياسيٍ وأخلاقي يقودُنا إلى موتٍ حتمي. أَلا تُثبِتُ المُماطَلَةُ في اتخاذِ القَراراتِ المُهِمَّةِ أَنَّ دَولَتَنا مائِتَةٌ ومُميتَةٌ في آن؟ لِمَ كُلُّ هَـذا التردّدِ والتَّأجيلِ في تَشكيلِ حُكومَةٍ تُنقِـذُ الوَطَنَ الجَريحَ والشَّعبَ الكَسيح؟ لِمَ كُـلُّ تِلكَ الإِجراءاتِ الخانِقَة والعراقيلِ الواهية؟ لِمَ لا نطبّقُ الدستورَ وننفّذُ بنودَه دون اجتهادٍ أو تحريف؟ هل بسبب عبادة الأنا؟

ما زال اللبنانيون يصفقون للزعماء الذين يهدرون مستقبلَهم ومستقبلَ أولادهم، ويضيّعون الفرصةَ تلو الأخرى لإنقاذِ البلد، ولا يهتمّون للوقتِ الذي يمرّ، ويجرُّ وراءَه ما تبقّى من أملٍ في انتشالِ البلدِ من الحضيض، متمسّكين بمماحكاتِهم التافهة ومطالبِهم العقيمة. ما زال عددُ الوزراتِ وأسماءُ الوزراءِ والحصصُ أهمُّ من مصيرِ لبنان واللبنانيين. يهتمون بأمورٍ كثيرة والحاجةُ إلى أمرٍ واحد: إنقاذُ البلد والتكاتفُ والعملُ الجِدي من أجل ذلك.

عودوا إلى ضمائرِكم يا أيها المسؤولون. إن استمرّيتم بِغِيِّكم لن يبقى وطنٌ ولا مواطنون. تَواضعوا وأَصغوا إلى أنينِ شعبِكم. لا تفرحوا بما تكتنزونه على الأرض بل «افرحوا بأنّ أسماءَكم كُتبت في السموات» كما يقولُ الربُّ في إنجيلِ اليوم. تحلَّوا بالحكمةِ، وافتدوا الوقتَ «لأنّ الأيامَ شريرةٌ”.