الأربعاء 5 جمادى الأولى 1444 ﻫ - 30 نوفمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

المطران عودة: لن تستقيم الأمور إلا بتكوين عناصر الدولة!‏

أسف متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة أن الأنانية تتحكم بنفوس ذوي السلطة في بلدنا. يسعون إلى ‏توسيع أهرائهم ليخزنوا فيها ما جنوه وسيجنونه، بدلا من ‏تحمل مسؤولياتهم ومساعدة المواطنين على العيش الهانئ الكريم. المهم لديهم ‏أن مصالحهم مصانة وأنهم يأكلون ويشربون ويعلمون ‏أبناءهم في الخارج، فيما يئن المواطنون وأبناءهم ساعين وراء رزقهم بعرق ‏الجبين والقهر. ‏

وسأل خلال ترأسه خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجوس: “حتى متى يتناسى هؤلاء أن الرب هو ‏المالك الحقيقي لكل ما لديهم؟ ‏إلى متى ينسون أن الموت يأتي على غفلة، فيتركون ما جنوه في هذه الأرض عليها، ويرحلون فارغي ‏اليدين؟ أما آن الأوان للعمل ‏الجدي، للتخلي عن الأنانيات والمصالح الشخصية والأحقاد، والنظر بعين الرأفة إلى شعب خارت قواه سعيا ‏وراء فتات يسد بها ‏جوعه”. ‏

وقال للمسؤولين: “اسمعوا صوت الرب بواسطة صرخة الضمير. قوموا بواجباتكم. انتخبوا رئيسا، شكلوا حكومة، أصلحوا ‏المؤسسات، ‏أعيدوا الحياة للقضاء والعدالة للناس، أنيروا حياتهم بالكهرباء الغائبة وبنور الأعمال الصالحة. ما يهم الناس هو المستقبل، ‏لذلك يجب ‏تخطي الماضي وأحقاده، والتطلع الى طريقة للخروج من المأزق. مراجعة الماضي ضرورية لأخذ العبر، وعدم تكرار ‏الأخطاء. لكن ‏الإبطاء في التقدم ليس من مصلحة أحد. فإلى تدني الأداء السياسي نشهد تدنيا في الأخلاق وجرائم وسرقات لم تنج منها ‏حتى أسلاك ‏الكهرباء وأغطية المجاري الصحية التي أصبحت مصيدة للعابرين. لن تستقيم الأمور إلا بتكوين عناصر الدولة أي رئيس ‏وحكومة ‏وإدارة وقضاء، لتصبح فاعلة، تحكم وتحاسب وتعاقب”.‏

وجاء في العظة كاملة: “تقيم كنيستنا المقدسة اليوم تقدمة لعيد دخول والدة الإله الفائقة القداسة إلى الهيكل. إن حياة العذراء القديسة مليئة ‏بالدروس التي على كل مسيحي أن يتعظ منها. إذا تمعنا في المقطع الإنجيلي الذي سمعناه اليوم، يمكننا أن نفهم أهمية والدة الإله. سمعنا ‏على لسان الرب أن إنسانا غنيا استكبر لأن أرضه أخصبت، ففكر في توسيع مخازنه كي تتسع للثمار التي جناها. لم يفكر في توزيع ‏أي من تلك الثمار، بل قال: «أصنع هذا: أهدم أهرائي وأبني أكبر منها وأجمع هناك كل غلاتي وخيراتي». نسي أن الفضل لا يعود له ‏في عمل الطبيعة وإثمار الغرس، بل لمن منحه إياها «من فوق». راح يتكلم وكأنه المالك الرسمي لكل خيرات الأرض، فقال لنفسه: ‏‏«يا نفس، إن لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة، فاستريحي وكلي واشربي وافرحي». لقد طمأن الغني نفسه أنه لن يجوع لسنين ‏طوال، وكأنه ضمن أنه سيبقى حيا طيلة الفترة التي ستكون فيها الأهراء مليئة. هنا أيضا وضع نفسه مجددا مكان الله معطي الحياة، ‏الذي «بيده نسمتنا» كما نرتل في خدمة الدفن. فجاءه الرد الإلهي قائلا له: «يا جاهل، في هذه الليلة تطلب نفسك منك، فهذه التي ‏أعددتها لمن تكون؟».‏

أضاف: “كان الرجل الغني مصرا على أنانيته، تماما كما الغني في مثل الغني ولعازر الذي سمعناه منذ فترة. خطيئته كانت مزدوجة: ‏الافتخار أو الكبرياء، إضافة إلى عدم التفكير بالآخر ومشاركته عطايا الله. خطيئة الإنسان أنه يظن نفسه قائما بذاته، وينسى أنه ‏مخلوق، لا يعرف متى ينتقل من هذا العالم. لذلك أنهى المسيح مثله بقوله: «هكذا من يدخر لنفسه ولا يستغني بالله»، أي من يجعل ‏كنزه ماديا، فيما يجب أن يكون الله كنزه”.‏

وتابع: “من هنا، يمكننا أن نفهم عظمة ما قامت به العذراء القديسة عندما استغنت بالله، فدخلت إلى الهيكل المقدس وعاشت فيه، ‏وخرجت من هناك والدة للإله. لقد كان والدا العذراء يتوقان للحصول على ثمرة بطن، مولود يكون كنزهما في هذه الحياة. استغنيا بالله، ‏فمنحهما ما يريدان، إلا أنهما فهما أن ما يمنحه الله للبشر ما هو إلا نعمة يجب أن تكون في خدمة الجميع. لم يقفلا على ثمرتهما ‏ويحفظاها لنفسهما كما فعل غني إنجيل اليوم، بل قدماها لله في هيكله، وهناك بارك الرب هذه الثمرة، وجعلها شجرة منها أنبت ‏الخلاص للجميع، فتمتعت كل البشرية بثمار الفردوس. والدة الإله أكملت ما بدأه والداها القديسان يواكيم وحنة. فعندما بشرها رئيس ‏الملائكة جبرائيل بالحبل الإلهي، لم تفكر بأنانية، مثلما فعل الغني. لم ترفض متذرعة بالقوانين الأرضية، خوفا على نفسها من موت ‏محتم تفرضه العادات الإجتماعية. الغني خاف أن يتضور جوعا، ونسي أن الله الذي خلقه لن يتركه، بينما لم تتردد العذراء في وضع ‏نفسها بين يدي الله «أمة»، واثقة بأن نعمته ستحفظها من الموت، مثلما حفظتها من الجوع في الهيكل حيث نشأت، إذ جاء في سيرتها ‏أن ملاكا كان يأتي إليها بالطعام، فخدمت شعب الله أعظم خدمة في التاريخ، كونها كانت مدخلا للخلاص”.‏

وقال: “بعدما ولدت مريم ابنها الإله، لم نسمع قط بأنها تكبرت، بل كانت دوما مثالا للتواضع وحتى للطاعة، بدءا من حفظها كل شيء ‏في قلبها عندما زارها المجوس، أو عندما تنبأ لها سمعان الشيخ بأن سيفا سيجوز في قلبها. لم تهرب بعد هذا الكلام، لكنها بقيت ثابتة ‏على خدمتها وعلى ثقتها التامة بالله حافظها. إنها مدرسة في الرجاء بأن الألم ينتفي حيث يحل الرب، فكيف تتألم هي وقد حفظها الله من ‏الموت قبلا؟ هذا الإيمان العظيم نجد ثماره في رقادها أيضا، حيث حفظها ابنها من فساد الموت، مكرما إياها. حتى في عرس قانا ‏الجليل، لم تتسلط مريم على ابنها كأم عادية تأمر أولادها بطاعتها، بل تواضعت وصمتت. لم تتكبر لأن ابنها، ثمرة أحشائها، يستطيع ‏صنع العجائب. هذا ما نسمعه في نص رسالة اليوم التي يقول فيها الرسول بولس: «إنكم بالنعمة مخلصون بواسطة الإيمان، وذلك ليس ‏منكم إنما هو عطية الله، وليس من الأعمال لئلا يفتخر أحد، لأنا نحن صنعه مخلوقين في المسيح يسوع للأعمال الصالحة التي سبق الله ‏فأعدها لنسلك فيها».‏

أضاف: “على كل إنسان مسيحي أن يكون واعيا أن كل ما يحصل عليه من نعم ما هو إلا من عطايا الله غير المحدودة. الإمتحان الأكبر ‏الذي يمر به البشر هو أن يبقوا أوفياء للمعطي، عبر مشاركة العطايا مع إخوتهم البشر، الأمر الذي لا يفهمه الأنانيون والمتكبرون ‏الذين يجمعون ولا يشبعون، ناسين أنهم في لحظة، في طرفة عين، سينتقلون إلى حياة أخرى عادلة، حيث سينالون جزاءهم”.‏

وتابع: “نأسف أن الأنانية تتحكم بنفوس ذوي السلطة في بلدنا. يسعون إلى توسيع أهرائهم ليخزنوا فيها ما جنوه وسيجنونه، بدلا من ‏تحمل مسؤولياتهم ومساعدة المواطنين على العيش الهانئ الكريم. المهم لديهم أن مصالحهم مصانة وأنهم يأكلون ويشربون ويعلمون ‏أبناءهم في الخارج، فيما يئن المواطنون وأبناءهم ساعين وراء رزقهم بعرق الجبين والقهر. حتى متى يتناسى هؤلاء أن الرب هو ‏المالك الحقيقي لكل ما لديهم؟ إلى متى ينسون أن الموت يأتي على غفلة، فيتركون ما جنوه في هذه الأرض عليها، ويرحلون فارغي ‏اليدين؟ أما آن الأوان للعمل الجدي، للتخلي عن الأنانيات والمصالح الشخصية والأحقاد، والنظر بعين الرأفة إلى شعب خارت قواه سعيا ‏وراء فتات يسد بها جوعه. اسمعوا صوت الرب بواسطة صرخة الضمير. قوموا بواجباتكم. انتخبوا رئيسا، شكلوا حكومة، أصلحوا ‏المؤسسات، أعيدوا الحياة للقضاء والعدالة للناس، أنيروا حياتهم بالكهرباء الغائبة وبنور الأعمال الصالحة. ما يهم الناس هو المستقبل، ‏لذلك يجب تخطي الماضي وأحقاده، والتطلع الى طريقة للخروج من المأزق. مراجعة الماضي ضرورية لأخذ العبر، وعدم تكرار ‏الأخطاء. لكن الإبطاء في التقدم ليس من مصلحة أحد. فإلى تدني الأداء السياسي نشهد تدنيا في الأخلاق وجرائم وسرقات لم تنج منها ‏حتى أسلاك الكهرباء وأغطية المجاري الصحية التي أصبحت مصيدة للعابرين. لن تستقيم الأمور إلا بتكوين عناصر الدولة أي رئيس ‏وحكومة وإدارة وقضاء، لتصبح فاعلة، تحكم وتحاسب وتعاقب”.‏

وختم: “دعوتنا اليوم أن نتعلم الدرس الذي أرادنا المسيح أن نحفظه قبل فوات الأوان. دعوتنا أن نتعلم من مدرسة العذراء القديسة كيف ‏نعيش التواضع والمحبة والرأفة والتخلي عن الأنا، فنتبارك وتتبارك جميع الخليقة”.‏