استمع لاذاعتنا

انتفاضة الشباب اللبناني..لن يتمكن منها جيل الحرب

إن معظم القوانين والتشريعات والقواعد والأعراف والأنظمة السارية الإجراء، وصيغ تقاسم السلطة والنفوذ والوظائف العامة وتوزيع الثروة الوطنية، قد وُضعت أسسها من قبل الدول المنتدَبة أو المستعمِرة في دولة لبنان الكبير، كما أن بعض تلك القوانين والتشريعات موروث عن السلطنة العثمانية؛ ثم جاءت دولة الإستقلال وكرستها في ما سُمي بصيغة 1943، كل ذلك حصل في منتصف القرن الماضي عندما كان زعماء الطوائف والعائلات البرجوازية المدينية (سكان المدن)، وبضع عائلات إقطاعية تقليدية في الأرياف مع طبقة من التجار والوكلاء إضافة إلى مجالس المذاهب والملل من رجال دين وكهنوت؛ هؤلاء كانوا النافذين، وبيدهم كل السلطة في الداخل وكل مقدرات البلد وعلاقاته مع الخارج، وكانت الثروة الوطنية تُوزع في ما بينهم، وتكفيهم هم وحاشياتهم وأزلامهم، والقوى المسلحة كأداة قهر لحماية سلطتهم ونفوذهم، أما بقية الشعب اللبناني في الأطراف والقرى والأرياف فكان يعيش حياة بدائية بسيطة ولا يصله من عطاءات السلطة المركزية سوى الضرائب والتكاليف والرسوم، مرفقة بالإلزامات والقمع والقهر مع القليل القليل من فتات ترف الحاكمين، وبقايا الفائض عن حاجاتهم وبذخ عيشهم وعوائدهم يمنون بها على الناس في مواسم ومناسبات تعنيهم، كالمواسم الإنتخابية، أو حصول فتنة وشجار؛ وكانوا يتعمدون زرع الفتن وتأجيج الخلافات في المناطق ليؤمنوا نفوذهم وسلطتهم من خلال إجراء المحاكمات والمصالحات وفضّ المنازعات بين الناس، فأقصى ما كان يطمح إليه مواطن بصفته زعيم عائلة، أو مختار قرية أو محلة، أو مفتاح إنتخابي في ناحية ما هو زيارة من البيك، أو الحصول على رخصة مسدس أو سكين أو خنجر، أو التوسط في إطلاق سراح محبوس.

في بلدتي عرسال مثلاً، لم يكن هنالك أي موظف أو جندي أو دركي عندما كنت في بداية شبابي أي حتى العام (1963)، وهي مرحلة حكم الرئيس فؤاد شهاب؛ بمعنى أوضح أن هذه البلدة، كما الكثير من المناطق مثلها، لم تكن تحصل على شيء أو أية حصة من موازنات وموارد الدولة اللبنانية.

وُضعت في المرحلة الشهابية تشريعات وقوانين جديدة أضفت شيئاً من التحديث على جهاز الدولة ومؤسساتها، منها قوانين العمل ونظام الموظفين ونظام الرقابة المالية والموازنات، والتفتيش والخدمة المدنية والضمان الصحي والاجتماعي، وجُددت قوانين الأحوال الشخصية والجنسية وقانون الإنتخابات النيابية والبلدية وغيرها، كما تعززت عملية التعليم والتربية ومحاربة الأمية. كل ذلك أضفى عليها شيئاً من الحداثة بمقاييس ذلك الوقت. وتكرست قوانين ومراسيم وتشريعات تضمن المساواة النظرية بين اللبنانيين وتقر بأنه لا امتيازات ولا تفرقة بين لبناني وآخر سواء كان مدنياً أم عسكرياً، فيما جرت قوننة المخصصات والرتب والرواتب والتقديمات والعطاءات وأبواب الاستخدام والتوظيف والمنافع الكثيرة في القطاعين العام والخاص، وتعزز دور النقابات والاتحادات العمالية والمهنية، ولكن المنافع والمواقع الحساسة والمركز المحظية ظلّت محصورة بجماعات السلطة وأجهزتها المتعددة من أتباع الزعماء وأنصار أهل الحظوة والنفوذ من المدنيين والعسكريين.

ظهرت معالم تمايز عميق بين جيلنا، نحن الذين كنا في مطلع الشباب ومرحلة المراهقة، ومن رواد المدارس في ذلك الوقت، عن جيل آبائنا وأجدادنا ومنظومة أفكارهم وقيمهم واعتقاداتهم؛  تمايز عبّر عن صراع مزدوج: صراع أجيال وصراع ثقافة، هو صراع بين جيلين من جهة وصراع بين نمطين من العيش من جهة ثانية، بين نمط العيش الريفي الزراعي الفلاحي الحرفي، ومنظومة قيمه وتفكيره وثقافته في مواجهة النمط المديني البورجوازي التجاري والمالي – الريعي والصناعي، إنه الصراع التقليدي بين المدينة والريف، وبين جيلين، جيل المحافظة والفطرة والبساطة والثقافة التقليدية الموروثة، جيل المزارعين والفلاحين والحرفيين في مواجهة جيل آخر جديد ونمط حياة جديد، جيل بدأ يتفتح على العلوم الحديثة ومنجزات العلم وثقافة وعلوم الأمم المتقدمة الأخرى، ومن أبرز بواعثه وأسبابه تزايد عدد المدارس في الأرياف وتعزيز الجامعة اللبنانية ودار المعلمين وازدياد عدد المتعلمين وطلاب العلم، لا أذكر تماماً من هو أول من ارتدى البنطلون في عرسال مثلاً، أو أول امرأة ارتدت السروال الضيق أو الجوارب الشفافة في ذلك الوقت، ولكنني أذكر أن تلك الظواهر كانت تستحوذ على حديث كل الناس وتصبح مثار تندرهم واستهجانهم، والحال ان الفجوة بقيت عميقة وواسعة بين المدينة وامتيازات سكانها ونمط الحياة فيها وبين سكان الأرياف والقرى والمزارع في محافظات لبنان.

ذاك الصراع المزدوج أسس للحرب اللبنانية في السبعينات من القرن الماضي، وكان من نتائج الحرب تفكك مركزية الدولة السابقة وبداية التفلت الضريبي، وتشتت الثروة وتفكك مركزيتها، وظهور سلطات الأمر الواقع من الأحزاب والتنظيمات المسلحة والميليشيات، وسلطات الردع والوصاية الخارجية، هو ما أدى إلى إعادة توزع الثروات الداخلية والخارجية، وظهور فئات منتفعة وميسورة جديدة، وازدادت أعداد السكان وانكسرت حلقة ذلك التآلف العائلي التقليدي الذي يتقاسم السيطرة على البلد ومقدراته المالية مع أتباعه ومعاونيه وأدواته في فرض سيطرته، ولم تعد هنالك فئات ممتازة أو عائلات ميسورة لوحدها ولا عائلات ألقاب يحق لها التعالي والتطاول أو التكابر على بقية الناس، فالسلاح المتفلت غيّر كل معادلات القوة والنفوذ السابقة، أي انكسر الطابع الأرستقراطي المديني، وحلت مكانه تشكيلة جديدة أفرزتها صراعات وتوازنات الحروب بين الأطراف الداخليين؛ وعملت سلطة الوصاية السورية على إنتاجها وتكريسها وعلى إنتاج فئات جديدة من الحكام والساسة والمتسلطين الجدد بما يناسب ويكرّس هيمنة ذلك النظام، الهيمنة السياسية والعسكرية الشاملة، ويثبت مصالحه وتحكم أجهزته الأمنية والمخابراتية والمافياوية.

لكن المشكلة الكبرى بقيت قائمة في القوانين والأنظمة السابقة والمتعلقة بتوزيع المنافع والمخصصات والامتيازات والرواتب والأعطيات غير المنطقية وغير العادلة، أي توزيع مال الخزينة على المنتفعين منه، القدامى منهم والجدد، بطريقة زبائنية، إضافة إلى النهب المنظم من قبل سلطة الوصاية وكلفة وجودها العسكري والأمني والحزبي في السنوات التي سبقت خروجها من لبنان، كل ذلك ساعد على تحول جهاز الدولة إلى وضعية من استشراء الفساد وتعميمه، وإلى حالة تضخم مفرطة وسمنة زائدة مع ترهل وخمول وبيروقراطية، وسوء أمانة بشكل علني في الإدارات كافة، وتحلل من الإلتزامات أو الإنتاجية، وهيمنة المنتفعين والمحاسيب والأزلام دون تخطيط ولا دراسة ومن غير حاجة ضرورية في أحيان كثيرة، مع تفشي الرشاوي والمحسوبيات والتهرب الضريبي والإستيلاء على الأملاك العامة، وكان ذلك يجري في سياق عمليات ترضية أو تغطية للمفاسد والتحاصص بين الفئات العليا من النافذين والمنوط بهم تسيير أمور الدولة من أعلى سلطاتها مروراً بالسلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية نزولاً حتى أدنى الرتب، وهو ما أوصل إلى حالة إقتصادية واجتماعية مأساوية. إن بلداً يصل إلى هذه الدرجة من الإنهيار التي لا تعود معها إمكانات الإصلاح الجزئي أو الترقيع الموضعي أو النوايا الحسنة ولا الخطب والوعود البراقة كافية لإنقاذه، أو لإعادة عجلة الحياة الطبيعية إليه، فعمق الأزمة وتجذرها يتطلب تغييراً شاملاً وعميقاً وسريعاً.

لقد انتهت صيغة لبنان القديمة، لبنان القرن العشرين وحداثته، فجيل الشباب اليوم، جيل ما بعد الحرب ووريث تركتها الثقيلة يتمرد على جيل الحرب، جيلنا نحن، ويعلن رفضه لحداثته التي أفضت إلى ما نحن عليه، فلا مفر ولا مهرب من تعاهد وعهد جديد بين اللبنانيين، جديد بصياغه الشباب المتمردين، السلميين، الرافضين للواقع القائم، عهد عنوانه “دولة القانون والمؤسسات العصرية” دولة المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات، وإلغاء الإمتيازات بين كافة شؤون اللبنانيين في توزيع الناتج الوطني والتقديمات وإنهاء سائر أبواب الهدر والسمسرة والسرقة والفساد والإستيلاء على الأملاك العامة، وذلك يتطلب مكننة وضبط كل شؤون الدولة ببرامج الكترونية شاملة وسريعة تضبط الموارد والإنفاق وتمنع التلاعب والسرقة، وإعادة الاعتبار للقانون والقضاء العادل.

خلاصة القول إن صيغة لبنان القديمة، أي “العقد الإجتماعي” لدولة الإستقلال أو الصيغة السابقة – إذا جاز لنا تسميتها كذلك – قد انتهت، إن الصيغة السياسية والقانونية والإدارية، وطرق توزيع الثروة الوطنية لم تعد صالحة اليوم إطلاقاً، فلم يعد من الجائز استمرار تسلط النافذين سياسياً على مقدرات البلاد وإدارتها بصورة إستنسابية ومزاجية بما يوافق مصالح الفئات الممسكة بعصب البلاد والتي تقوم على التنازع والتقاسم والتوافق، نحن بحاجة إلى دولة نظامية وشرعية يحكمها القانون.

إن جيل الحرب من الحكام والساسة قد انتهى به المطاف إلى هذه الحالة من الفساد والفوضى، وهو ما دفع الجيل الجديد من الشباب إلى التمرد والانتفاض عليه وإعلان الثورة، وهو جيل جديد تماماً في القيم والثقافة والرؤية والتطلعات، فنحن إذن أمام صراع جيلين، الجيل الماضي المحدث وجيل المعاصرة اليوم، وجيل اليوم هو الداعي إلى الثورة والانتقال إلى المعاصرة بأوسع آفاقها، والخطر كله الآن يكمن في تمكن الجيل السابق من السيطرة على الجديد وترويض طموحاته، وتجويف الإنتفاضة في إصلاحات شكلية ليستمر القديم على قدمه، فتنحرف العصرنة عن أهدافها، أو يتم تدجينها وإجهاضها؛ مع أن ما تنبئنا به صرخات الملايين السلمية في الساحات والشوارع والميادين، تهدر متجاوزة المذهبية والطائفية والأطر التقليدية تقول عكس ذلك، لذلك من الضروري قيام تمثيل جديد، وعقد جديد، ونمط إدارة للحياة العامة جديد، في دولة معاصرة، تحاكي دول وأمم العالم المعاصرة.