الثلاثاء 1 ربيع الأول 1444 ﻫ - 27 سبتمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

بين نيويورك والناقورة: الهم الأمني يتقدم على الاستحقاقات الدستورية

كشفت تقارير ديبلوماسية من مصادر عدة ان هناك نية وتوجها اسرائيليا جديدا من اجل تجميد المفاوضات الجارية من اجل ترسيم ‏الحدود البحرية بطريقة لا تعيق مهمة الموفد الاميركي اموس هوكشتاين الى المنطقة وتحاشي اي خطوة تقود الى اي عمل عسكري ‏في المنطقة المتنازع عليها الى ان تعبر المرحلة الحالية الفاصلة عن الانتخابات المقبلة للكنيست في الأول من تشرين الثاني المقبل أيا ‏كانت ترددات هذه الخطة على الوضع في لبنان، فحال الانهيار التي تعيشها البلاد قد سبقت مفاعيل التهديدات التي لجأت اليها اسرائيل ‏من قبل وخصوصا تلك التي تحمل الحكومة اللبنانية مسؤولية اي خطوة عسكرية يقدم عليها “حزب الله” في المنطقة وما يمكن ان ‏يؤدي اليه اي رد إسرائيلي‎.‎

ومن اجل تبرير هذه القراءة، قالت التقارير التي اطلعت عليها “المركزية” ان المؤشرات التي تقود الى هذه المعادلة متعددة، ولكن ‏أبرزها الجديد الذي أضافته تل أبيب في الأيام الاخيرة الماضية على المشهد السياسي المرتبط بالوضع في لبنان. والتي يمكن الاشارة ‏اليها بالآتي‎:‎

‎- ‎العرض الذي قدمه وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس خلال زيارته إلى نيويورك للمشاركة في الدورة الـ 77 للجمعية العامة للامم ‏المتحدة والتي سلم خلالها ما ادعت تل ابيب بتسميته “وثائق تضمّ صوراً وتقارير تبيّن مصانع إيرانية لصنع صواريخ وذخائر متطورة ‏وطائرات مسيّرة، في ثلاث دول عربية هي لبنان وسوريا واليمن”.. واضاف التوصيف الاسرئيلي للوثائق بأن “تلك المصانع كانت ‏تقتصر على سوريا، لكنَّها توسعت في الشهور الأخيرة وباتت تشمل تدريب طواقم من حزب الله ومن الحوثيين في اليمن‎”.‎

‎- ‎العرض الإسرائيلي الجديد الذي تجاهل ما حققه الموفد الاميركي الى مفاوضات الترسيم لجهة التفاهم على الخطوط البحرية الخاصة ‏بالمنطقة الاقتصادية للبنان واسرائيل ومصير الجزء الجنوبي من “حقل قانا” بالانتقال الى البحث – للمرة المئة ربما – حول مصير ‏الاحداثيات الخاصة بخط الطفافات البحرية المزروعة في منطقة الناقورة منذ العام 2000 وربط مصير التفاهمات الأخرى بشأن الثروة ‏النفطية بتكريس الخط كما تريده اسرائيل وان استدعى ذلك اعترافا لبنانيا بتغيير موقع النقطة‎ ” B1 ” ‎في منطقة الناقورة على الرغم ‏من موقف لبنان الرافض لهذا الاقتراح منذ اكثر من عقدين من الزمن في المفاوضات التي رافقت ترسيم الخطوط البحرية كما الخط ‏الازرق البري والنقاط الـ 13 المختلف عليها من الناقورة الى مثلث الغجر – شبعا وتلال كفرشوبا‎.‎

وبعيدا من اي مؤشرات أخرى يمكن التوقف عندها، فقد ظهر واضحا ان غانتس الذي تخلى قبل فترة عن مهمته رئيسا للحكومة لحليفه ‏يائير لابيد بموجب اتفاق التناوب بين رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع، قام مؤخرا باستنساخ التجارب السابقة التي لجأ اليها سلفه السابق ‏بنيامين نتانياهو باستخدام منصة الأمم المتحدة أكثر من مرة ولا سيما في 29 ايلول من العام 2020 ليوجه مثل هذه الاتهامات فتحدث ‏يومها ان لبنان قام باستضافة مصانع اسلحة وصواريح لـ “حزب الله” في اكثر من منطقة سكنية وفي جوار محطة للغاز قرب مطار ‏بيروت، محذرا من “مأساة جديدة” شبيهة بتلك التي تسبب بها تفجير مرفا بيروت الموقع‎.‎

وامام هذه المؤشرات السلبية، تحذر التقارير التي تناولت هذه المستجدات من مخاطر ان تهتز وحدة الموقف اللبناني من عملية الترسيم، ‏بعدما قدمت نموذج الوحدة في الأول من آب الماضي أمام السيد هوكشتاين في اللقاء الموسع في قصر بعبدا. كما تنبه من احتمال ان ‏يؤدي اي خلل يمكن ان يصيب وحدة الموقف اللبناني بطريقة يفجر الوضع من جديد ويؤدي الى تجميد المبادرة الأميركية التي ركن ‏إليها الطرفان‎ .‎

وبناء على ما تقدم، يعتقد المراقبون في تعليق اولي على مضمون هذه التقارير ان ذروة المأساة اللبنانية ان تنعكس الخلافات التي ‏تعصف بأهل الحكم والحكومة على كيفية ادارة المرحلة المقبلة انطلاقا من عملية تشكيل الحكومة العتيدة لمواجهة المرحلة، خصوصا ‏ان كانت النية ثابتة بعدم التعاون داخليا لانتخاب رئيس جديد للجمهورية في ظل غياب المبادرات الخارجية الفاعلة. وعليه فإن البلاد ‏تتجه الى مزيد من الإنهيارات المالية والاقتصادية والتربوية والصحية والمعيشية وربما الامنية، إن تطور برنامج اقتحام المصارف في ‏ظل ارتفاع اسعار العملة الوطنية تجاه العملة الخضراء الى ما لا يمكن تحديده وكأن الحديث عن احتمال الوصول الى “الارتطام ‏الكبير” لم يحن أوانه بعد‎.‎

وختاما، يبقى الأخطر الذي تقود اليه هذه التقارير، عند مقاربتها للوضع السائد في لبنان، ان هناك رئيسا للجمهورية يعدنا كل يوم ‏بمزيد من المفاجآت لما يمكن ان يشهده اليوم الأخير من ولايته وكأنه يوم “الحشر الكبير”، ورئيس للمجلس النيابي يتحكم بموعد الدعوة ‏لانتخاب الرئيس وكأن القضية “مزاجية” بعيدا مما يقول به الدستور الذي تحدث عن مهلة ملزمة لانتخاب الرئيس العتيد قبل نهاية ‏الولاية، ومجلس نيابي عاجز عن القيام بأي مهمة، يتجاهل مهمته في انتخاب الرئيس وإلا تعرض أعضاؤه للمحاكمة جزائيا ان وجد ‏مرجع دستوري يفسر ما يقول به الدستور. وهو مجلس لم يظهر بعد، أنه قادر على اجتراح ما فشل بالبت به المجلس السابق على ‏الاقل بإقرار بعض الإصلاحات المطلوبة لمواجهة الانتكاسات المالية والاجتماعية، ويحيي نوعا من الثقة المفقودة بالدولة ومؤسساتها ‏من قبل المؤسسات الدولية المانحة كما يشجع بوقاحة على استمرار مسلسل اقتحامات المصارف في ظل غياب قانون “الكابيتال ‏كونترول”. ورئيس حكومة تصريف أعمال يحمل لقب المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة يعد اللبنانيين بان ينام في قصر بعبدا حتى ‏تشكيل الحكومة ولكن بعد عودته من جنازة الملكة اليزابيت الثانية والمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، متجاهلا ان ‏تشكيل هذه الحكومة أهم بكثير من هذه المحطات‎.‎

    المصدر :
  • المركزية