
الشيخ الدكتور سالم الرافعي ومفتي زحلة والبقاع الدكتور الشيخ علي الغزاوي ومفتي عكار الشيخ زيد بكار زكريا
كما كان متوقعاً، بدأت الساحة السنّية في لبنان تتفاعل بشكل سلبي مع قرار المجلس الدستوري وقف تنفيذ قانون العفو العام، استجابة للطعن المُقدّم من النائب جبران باسيل وتكتّل “لبنان القوي”، ما أشعل حالة من الغليان السياسي والشعبي.
وبعد أن أحدث قرار التجميد صدمة سلبية في الشارع السني، أثار سريعاً موجة تنديد عارمة شملت عدداً من القيادات الدينية والخطباء ومفتيِّ المناطق، وسط تحذيرات شديدة اللهجة من أن عرقلة القانون وتجاهل المظلومية المتراكمة قد تحول الطعن القضائي إلى طعن مباشر في العيش المشترك والسلم الأهلي.
مفتي عكار يهاجم الطاعنين: الحساب قادم في صناديق الاقتراع
في عكار، أكد مفتي المحافظة الشيخ زيد بكار زكريا أن المطالبة بقانون العفو العام حظيت بوفاق وإجماع واسعين، ودعم مباشر من مفتي الجمهورية والعلماء والنواب والحقوقيين.
واستغرب زكريا خطوة تقديم الطعن أمام المجلس الدستوري لإيقاف القانون، مشيراً إلى أنها خطوة مستهجنة، وكان الأولى بأصحابها التوجه نحو تأمين الخدمات الأساسية ورعاية المواطنين والطبابة المجانية بدلاً من تعطيل هذا الملف الإنساني.
وأوضح مفتي عكار أن اللجوء إلى قانون العفو – رغم أنه لا يفي بجميع تطلعات الأهالي ولا يعتبر كافياً – جاء نتيجة لظروف استثنائية فرضها سوء المحاكمات وتراكم المظلومية داخل السجون، لافتاً إلى أن البلاد مرت بفترات من الهيمنة والاستبداد والمحاكمات الجائرة عبر المحكمة العسكرية.
وشدد على أن تجاوز هذه المرحلة وتثبيت الاستقرار يتطلبان طي الصفحة القديمة وفتح صفحة جديدة، إذ إنه لو توفرت المحاكمات العادلة والقضاء المنصف لما كانت هناك حاجة للعفو من الأساس.
كما أبدى استغرابه من استمرار تساهل السلطات مع من اجتازوا الحدود وحملوا السلاح وساهموا في سفك الدماء وقتل الأبرياء في سوريا، بينما يُضيّق الخناق على غيرهم.
ووجّه الشيخ زكريا رسالة شديدة اللهجة إلى الجهات التي تقف خلف الطعن، جازماً بأن الشارع والناخبين سيحاسبونهم في صناديق الاقتراع، وأن أفعال الجميع ستخضع للمحاسبة الشعبية والأخلاقية.
مفتي زحلة والبقاع: الأصل في العفو الشمول.. والخطأ فيه خير من الخطأ في الأخذ
من جهته، وجه مفتي زحلة والبقاع الدكتور الشيخ علي الغزاوي انتقادات حادة لمن يقفون خلف الطعن في القانون، مؤكداً على ضرورة تحقيق العدالة وإقفال هذا الملف بشكل نهائي.
وقال المفتي الغزاوي في خطبته: “إن كنا في الأسبوع الماضي شكرنا من قام بتوقيع قانون العفو، فإننا في هذا الأسبوع نعيب على من طعن في قانون العفو، وكيف يُطعن في عفو كان مقيّدًا؟ والأصل أن يكون شاملًا إن لم يكن هناك من قبل محاكمة عادلة”. واستشهد المفتي بالقاعدة الشهيرة قائلاً: “الخطأ في العفو خير من الخطأ في الأخذ”.
الشيخ سالم الرافعي يحذر المجلس الدستوري: قضية مفصلية لمستقبل الشراكة
وفي طرابلس، أطلق الرئيس السابق لـ “هيئة علماء المسلمين” وخطيب مسجد التقوى، الشيخ الدكتور سالم الرافعي، تحذيرات موجّهة للمجلس الدستوري من خطورة التجاوب مع الطعون المرفوعة أو المماطلة في إقرار القانون، مؤكداً أن العفو العام يشكل مدخلاً أساسياً ومفصلياً لتحقيق المصالحة الوطنية وإعادة ضبط العلاقة بين مكونات الوطن.
وبيّن الرافعي أن المطالبة بالعفو لم تكن خياراً عابراً، بل نتاج عقود من المعاناة والمظلومية جراء الأحكام القضائية غير المنصفة بحق الشباب، والتي صدر عدد منها بخلفيات طائفية ومذهبية وافتقرت لأدنى مقومات العدالة.
وتطرق الرافعي إلى الأوضاع الإنسانية والصحية الكارثية داخل السجون والإهمال الطبي الذي أودى بحياة عدد من الموقوفين نتيجة أمراض مستعصية دون تلقيهم العلاج اللازم.
وإذ أشاد الرافعي بإقرار المجلس النيابي للقانون وتوقيع رئيس الجمهورية عليه كخطوة أولى نحو الإنصاف، انتقد بشدة محاولات تعطيله، مستنكراً التناقض والكيل بمكيالين بعد التغاضي سابقاً وإصدار قوانين عفو خاص عن متورطين في قضايا إتجار بالمخدرات وغيرها، بينما تُمارس الضغوط اليوم لمنع رفع الظلم عن باقي الموقوفين.
وحث أعضاء المجلس الدستوري على البت السريع والابتعاد عن إيقاف التنفيذ، موضحاً أن العفو هو خطوة أولى نحو التصالح مع الطائفة السنية، وعرقلته تعطي إشارات سلبية تنفي الرغبة في إرساء شراكة حقيقية.
وختم الرافعي مشدداً: “سيكون لنا رأي عندها، فلذلك نتمنى على القيمين على المجلس الدستوري أن ينتبهوا لخطورة ما هم قادمون عليه”.
الشيخ أحمد الشمالي يدعو الرؤساء الثلاثة للتدخل: محاولة لإشعال فتيل فتنة
من جانبه، اعتبر إمام جامع “أم المؤمنين عائشة” في عكار، الشيخ أحمد الشمالي، أن الطعن المقدم يمثل خطوة خطيرة تهدد بنسف الاستقرار ونشر الفتنة، موجهاً نداءً عاجلاً ومباشراً إلى الرؤساء الثلاثة في لبنان لسرعة التدخل وتدارك الموقف قبل فوات الأوان.
وشدد الشمالي على أن السعي المتواصل لعرقلة تنفيذ القانون – بدءاً من تعطيل التصويت عليه وصولاً للطعن الرسمي – هو محاولة لإشعال فتيل فتنة لا تُحمد عقباها، وأن هذا المسار الكيدي يضع أصحابه في مواجهة مباشرة مع الشريحة الأكبر من اللبنانيين.
وأشار إلى أنه رغم كون القانون لم ينصف الموقوفين الإسلاميين بشكل كامل واقتصر بالنسبة لهم على تخفيض العقوبات فقط مقابل شموله الفعلي لشرائح أخرى، إلا أن إصرار النائب جبران باسيل وتكتله على الطعن فيه وتعمّد استثناء بقية الموقوفين، يُعد بمثابة إعلان حرب طائفي وعنصري ينزع عن الدولة دورها الراعي للجميع.
وردّ الشمالي على الحجج المنادية بالطعن، واصفاً إياها بالعرقلة المعتادة والحجج الكاذبة المغلفة بدعوى حماية المؤسسة العسكرية، لافتاً إلى أن التاريخ يثبت عدالة المسلمين ورحمتهم، بينما تُمارس اليوم سياسات طائفية مقيتة تعطيلية للمصالحة الوطنية.
واختتم الشيخ الشمالي بالدعوة إلى نزع فتيل الأزمة فوراً، مطالباً الرؤساء الثلاثة بالتحرك العاجل وإيقاف هذه المؤامرة لمنع انزلاق البلاد نحو مزيد من الاحتقان والانقسام الطائفي.
في انتظار كلمة “الدستوري”.. العفو أمام امتحان الاستقرار
و بين ضغط الشارع وغليان السجون وحزم المواقف النيابية والدينية، تتجه الأنظار نحو المجلس الدستوري. فالقضية تجاوزت إطارها القانوني الشكلي لتصبح اختباراً حقيقياً لنوايا العيش المشترك؛ إذ إن أي انحياز للحسابات الضيقة أو مماطلة في حسم العفو العام لن تُفسّر في الشارع السنّي إلا كاستمرار لنهج التهميش والاستقواء من خلال تعطيل الإرادة التشريعية ووضع المؤسسات الدستورية وجهاً لوجه مقابل الطائفة السنية. وهو ما يضع المعنيين أمام مسؤولية مباشرة لمنع تدهور الأمور ونزع فتيل أزمة قد تطيح بما تبقى من استقرار في بلدٍ لا تنقصه المزيد من الأزمات.