استمع لاذاعتنا

جدار الفصل بين الدولار الأميركي… والدولار “البلدي”

حين أُنشئ المصرف المركزي عام 1964، حدّد قانون النقد والتسليف سعراً رسمياً انتقالياً لليرة اللبنانية لفترة عشر سنوات، وكان سعر الصرف “النظري”هو نفسه سعر السوق آنذاك. حتى 1982، كان الاتجاه العام لسعر الصرف التحسّن لا العكس، لدرجة لُقّبت الليرة بالعملة القويّة الصلبة، وذلك بسبب وجود عرض للدولار والعملات الصعبة يفوق الطلب عليها في السوق المحلية. هذا الواقع كان يعبر عنه فائض ميزان المدفوعات “المستمر” لغاية “الانهيار الكبير” الذي بدأ عام 1991 وانفجر عام 1992 بسبب العجوزات في المالية العامية، ترافقت مع اتخاذ الدولة وبلا أي دراسة زيادة رواتب القطاع العام، بالإضافة الى المستلزمات وإعادة تأهيل الدولة بعد الحرب والتي كانت مُكلفة. كل تلك الاحداث المتسارعة تزامنت مع انعدام الثقة و”سيستام”(system) المضاربات بالدولار الذي انتهجته بعض المصارف والأحزاب ليُصار الى تضخم الكتلة النقدية…

اليوم، وسواء اعترفت الدولة أو مصرف لبنان بالرقابة على تحويل الرساميل Capital Control أو أنكرا ذلك، فمن المسلّم به أن حرية التحويل بين العملات وبين لبنان والخارج أصبحت مقيّدة تقييداً شديداً. فالترتيبات التي أقرّتها جمعية مصارف لبنان منتصف الشهر الماضي والتي “أملاها الحرص الشديد على مصالح العملاء والمصلحة العامة لتجاوز الظروف القائمة” حسب بيان الجمعية، نصّت على أن التحويلات الى الخارج تكون فقط لتغطية النفقات الشخصيّة الملحّة. وقد أضيفت إلى هذه النفقات الملحّة قائمة موجزة وافق مصرف لبنان على تمويلها نتيجة الاعتراضات والاضرابات التي أعقبت نشر ترتيبات المصارف.

بمجرد حظر تحويل الأموال إلى الخارج سوف تتأثر سلباً حركة الأموال الوافدة إلى لبنان، لأن المصادر الخارجية لن تندفع إلى إرسال رؤوس أموال إلى بلد يمنعها من إخراجها منه عند الحاجة. وهذا ينطبق بصورة كاملة على الاستثمارات الخارجية، وبصورة أقلّ على تحويلات اللبنانيين غير المقيمين التي هي بمعظمها إعانات لعائلاتهم في لبنان.

بذلك يقوم “جدار فصل” مُحْكم بين الدولار الخارجي الذي يتداوله النظام المالي العالمي وبين “دولار بلدي” محلّي موجود في النظام المصرفي اللبناني، أي ودائع المصارف اللبنانية بالعملات والموجودات الخارجية لمصرف لبنان.

تتمثل النتيجة السلبية الأولى لهذا الفصل بين دولار خارجي ودولار محلي بانفصال لبنان عن النظام المالي الدولي لأوّل مرّة في تاريخه. فحتى خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، بقيت الطرقات المالية مفتوحة بين لبنان والخارج ولم تقبل السلطات بأي نوع من الرقابة على التحويلات.

اما النتيجة الثانية المهمّة فهي ضيق وسائل تمويل الاستيراد. اذ بات تمويل الاستيراد يعتمد على الدولارات المتوفّرة في نظامنا المصرفي ولا أمل كبيراً بواردات أخرى.

تبلغ إيداعات مصرف لبنان النقدية في المصارف الخارجية حوالى 29 مليار دولار. وهو تعهّد بتمويل استيراد القمح والمحروقات والأدوية، التي تقدّر فاتورتها بحوالى 6 مليارات دولار. وتعتقد أوساط اقتصادية أن مصرف لبنان سيضطر إلى تمويل اعتمادات بحدود 10 مليارات دولار للمواد الضرورية الأخرى مثل المواد الأوّلية لعدد من الصناعات. ويترتّب على مصرف لبنان أيضاً تسديد ديون الدولة بالعملات الأجنبية عند استحقاقها، كما فعل مؤخراً بتسديده 1.5 مليار دولار سندات مستحقة. هنا لا بد من الإشارة الى ان استحقاقات اليوروبوندز في 15 شهراً قادماً تبلغ 4.5 مليارات دولار.

يعني ذلك، أن موجودات مصرف لبنان بالعملات قد تنضب في غضون فترة تتراوح بين سنة وسنتين، وتصبح قدرة لبنان على الاستيراد ضعيفة كثيراً في الحقبة المقبلة، مما يفرغ السوق المحلية من مواد كثيرة لم يعتد على فقدانها.

للمصارف اللبنانية ودائع في المصارف الدولية تبلغ حالياً 9 مليارات دولار (بحسب ارقام مصرف لبنان)، وقد ضغط حاكم مصرف لبنان على المصارف للاستعانة بهذه الودائع واستعمالها في الأزمة الراهنة وشحّ الدولار، فلم تستجب المصارف لهذه الدعوة. فهذه الأموال مودعة لدى المراسلين كشرط لفتح اعتمادات لزبائنها من المصارف الخارجية، كما أنها تعتبر نوعاً من الاحتياط أو الضمانة للمودعين في المصارف اللبنانية.

في هذا الاطار، تلفت مصادر مصرفية إلى أن “إيداعات المصارف اللبنانية لدى المصارف الخارجية انخفضت كثيراً في السنوات القليلة الماضية بسبب رغبة المصارف بالاستفادة من الفرص التي أفسحتها هندسات مصرف لبنان، حيث كانت هذه الايداعات تبلغ نحو 20 مليار دولار الا انها اليوم لا تتخطى 9 مليارات”. تُقابل ايداعات المصارف اللبنانية في الخارج، التزامات تجاه المؤسّسات المالية من مصارف لبنانية، بحيث أن الرصيد الصافي للإيداعات بين المصارف اللبنانية والأجنبية في حال قررت المصارف جلب هذا المبلغ يكون رصيداً سلبياً بـ 600 مليون دولار.

في لبنان اليوم دولاران: الأول وهو الموجود في الحسابات المصرفية، افتراضي، والثاني وهو الأوراق النقدية، حقيقي. وقد بات الحقيقي بفعل الاحداث المتسارعة مُخفض القيمة، وهذا ما يشير في الواقع الى خطورة المرحلة المقبلة.