استمع لاذاعتنا

جدار بشري من مناطق ولهجات كثيرة يهزم سلطان برّي

وفي يومها الرابع والثلاثين حقّقت الثورة انتصاراً كاسحاً. حققت الجدران البشرية غايتها، فمنعت وصول النواب إلى البرلمان لتهريب القوانين وتشريع “العفو العام” عن جرائم ارتكبتها في المال والنهب والفساد.

سقوط “حنكة” بري

انكسرت السلطة في محطة جديدة وسقطت في الشارع مجدداً: “عطّلنا النِصاب عطلّنا النَصّاب، للمجلس النصّاب”، ردد المعتصمون لصاحب ردّية “28 وميّة، كلّهم قرطة حرامية”. وإذا كانت السلطة، بأطيافها كلها، قد سقطت فإنّ الضربة الفعلية توجّهت لرئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي أصرّ على الدعوة للجلسة التشريعية الأسبوع الماضي، وتراجع عنها قبل موعدها. كرّر الدعوة اليوم وتعطّلت. هذه سابقة في تاريخ برّي السياسي وسيرته في رئاسة البرلمان.

هذا الرجل، صاحب الخبرة الطويلة في الدهاء السياسي والحنكة البرلمانية، لم يقو على الثورة. فآخر “صفعة سياسية” تلقّاها من هذا العيار كانت في العام 2005، عندما أعلن رئيس الحكومة حينذاك، المرحوم عمر كرامي، استقالة الحكومة من دون مشاورة أي من أطراف السلطة.

رصاصات موكبين
يمكن تلخيص مشهد الجدار البشري في نقطة واحدة، أو محور أساسي: مثلث باب ادريس ـ ويغان – شارع أحمد الداعوق، وتحديداًعند المقرّ العام لبنك عودة. هناك حاول موكب مؤلف من سيارات ثلاث عبور الطريق. قبل وصول إحدى السيارات إلى هذا التقاطع، نزل منها مرافقين، فصفع أحدهم شابة وأوقعها أرضاً. وأكمل الموكب طريقه صعوداً من شارع أحد الداعوق في اتجاه شارع المصارف. دهس الموكب عشرات، ودخل إلى مفترق لم يعلم سائق الموكب أنّ القوى الأمنية أقفلته بالبلوكات الاسمنتية. علق الأرنب في الفخ، وانهالت على سيارات الموكب العصي والركلات، وخرجت من أحدى سياراته الداكنة الزجاج رصاصات مسلحين في داخلها. وعادت السيارات أدراجها بعدما نالت نصيبها من الشتائم والتكسير.

ساد الغضب والصراخ من اعتداء مماثل على المتظاهرين: “الموكب يعبر على جثثنا، ولن يعبر”. وللمصادفة وقعت هذه الحادثة في مكان انطلاق انتفاضة 17 تشرين، حين أطلق مرافقو الوزير أكرم الشهيب النار في الهواء وعلى المتظاهرين. وهو نفسه مكان الصورة – الأيقونة لفتاة تركل المرافق المسلّح وتعرّيه من تشبيحه. من هنا كانت الشرارة، ومن هنا أيضاً تأكيد على المواجهة وعلى الانتصار على الزمرة الحاكمة.

مدَدٌ من المناطق
من اعتدى على المتظاهرين؟ كان موكب الوزير جبران باسيل، لا موكب الوزير سليم جريصاتي، ولا موكب الوزير علي حسن خليل الذي نفى التهمة. لا يهمّ لأنّ الحادثة تلخّص الواقع. واقع أنّ رجال السلطة حاولوا دهس الناس وأطلقوا النار وفرّوا. واقع أنّ من في السلطة لا يتوانى عن الاعتداء الجسدي على الناس، بعد نهب جيوبهم والاستئثار بالسلطة والاستخفاف في قدراتهم. واقع أنّ الحال تبدّلت في الشارع. فالسلطوي الذي يتباهى بلوحات السيارات النيابية أو الوزارية، بات يمرّ في سيارات بلوحات عادية أو أخرى تابعة للقوى الأمنية. وأي سيارة بزجاج داكن باتت هدفاً للثوار. والثورة فرضت نفسها ومنعت السلطة من عقد جلستها التشريعية. ومشاهد الجدار البشري تؤكد هذا الانتصار.

كانت حشود المتظاهرين قد وصلت إلى أماكنها ابتداءً من الساعة السادسة صباحاً. قدمت وفود من طرابلس وبرجا والبقاع، فطمأنت الموجودين أنّ مواكب أخرى باتت قريبة من العاصمة. في حين كانت مواكب منطقتي الزوق وجل الديب قد وصلت وحدّدت مكان انتشارها في وسط بيروت. لم تنفع إجراءات القوى الأمنية ولا أسلاكها الشائكة في منع التجمهر. في محيط البرلمان ومن كل صوب، احتشد الآلاف. قوى الأمن أقفلت بعض الطرق. الجدار البشري حاضر لإقفال ما تبقى. عند نقاط التجمّع في رياض الصلح وساحة الشهداء، والطريق البحرية، وبنك عودة، وباب ادريس، وزقاق البلاط، تكرّر المشهد نفسه. مشهد منع أي موكب من العبور إلى جنّة تشريع السرقة والنهب في البرلمان.

وجوه الثوار من المناطق اجتمعت في بيروت. شبان وشابات، تلامذة مدارس، حضروا أيضاً. كانت الخلطة الاجتماعية للجدار غريبة عجيبة. خلطة من اللهجات اللبنانية المختلفة، من حزبيين (من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين)، فنانين ومخرجين، صحافيين تركوا عملهم وانضموّا إلى الثورة. خلطة تلخّص الثورة وانتشارها في المكوّنات والمناطق والزواريب الحزبية والطائفية.

علي عمار يهتف
ومن أبرز هذه المشاهد أيضاً، ملاحقة المتظاهرين عضو كتلة الوفاء للمقاومة، النائب الحاج علي عمّار، عند مدخل السراي الحكومي. لم يلمسوه أو يعتدوا عليه، هو القادم على رجليه. لاحقوه فقط برديّة “يسقط يسقط حكم الأزعر”. هنا الآذان صاغية، وما كان تتجاهله السلطة ورجالها بات مسموعاً. يرفع النائب يده ويهتف الردية نفسها!: يسقط حكم الأزعر. عاد وانسحب. ولعلّ ذلك من أبرز إنجازات الثورة أيضاً: القول للسلطة في وجهها أنها فاسدة، أنها من الزعران.