استمع لاذاعتنا

جمهورية ميشال عون.. واللواء مرتضى قرباني

ساذج أو كاذب من تفاجأ بما قاله مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء مرتضى قرباني: “في حال ارتكبت إسرائيل أصغر خطأ تجاه إيران، سنسوي تل أبيب بالتراب انطلاقاً من لبنان”.

هذا الكلام ليس جديداً، بقدر ما هو تذكير لواقع الأمر. لبنان بالنسبة لإيران عبارة عن منصة صواريخ، ليس دولة ولا شعباً ولا وطناً. منصة صواريخ وحسب، إلى حد أن قائد الفرقة المحلية من “الحرس الثوري” حسن نصرالله، قال في خطبته الأخيرة متبجحاً أن لديه من الصواريخ يحار أين يخزنها. وهو قبل أشهر قليلة ردد كثيراً مقولته أنه رهن إشارة “المرشد” بشن حرب في حال الهجوم على إيران. وهذا بدوره ليس جديداً، بل معروف منذ سنوات طويلة.

مع ذلك، ما تلفظ به اللواء قرباني يثير الانتباه لا لناحية تحدثه عن لبنان وكأنه أرض سائبة، بل لاستثنائه ضمنياً غزة والجولان من وعيده وتهديده. هذا أمر جديد. تم استبدال التهديد التقليدي بإشعال كل الجبهات بتخصيص لبنان وحده كمنطلق للرد على إسرائيل. بما يشعرنا أن لبنان مستباح إيرانياً حتى أكثر من غزة وأكثر من جنوب سوريا. وهذه الاستباحة التامة في تصريح “المستشار” بدت مختلفة عن تصريحات إيرانية وحزبلاهية كثيرة تشابهه في المعنى. إذ أن طريقة الكلام هذه المرة جاءت بمنتهى الأريحية.

بالطبع، الثقة التي عبر فيها اللواء قرباني عن جهوزية “لبنانه” للانتقام لإيران إن تعرضت لسوء إسرائيلي، متأتية ليس فقط من ولاء نصرالله للولي الفقيه وإخلاصه وتفانيه في الدفاع عن “الجمهورية الإسلامية في إيران”، بل متحصلة أيضاً من واقع رضوخ دولة لبنان لحزب نصرالله الحرسي، رضوخاً ما عاد بالإمكان توريته أو تمويهه.

الأصح القول أن لبنان، رئيس الجمهورية فيه هو ميشال عون ووزير خارجيته جبران باسيل ووزير دفاعه الياس بوصعب ورئيس حكومته سعد الحريري ورئيس برلمانه نبيه برّي.. لا يسعه إلا أن يكون دولة راضخة لجهاز الصواريخ هذا.

أكثر من ذلك، أريحية قرباني هي نتاج منطقي لذاك التصريح الشهير الذي أدلى به قاسم سليماني بعيد الانتخابات النيابية في لبنان معلناً انتصاره هو فيها. أي السيطرة “الشرعية” على النظام اللبناني على نحو “أرقى” بكثير من صيغة غازي كنعان. فهذه المرة، شرعية الوصاية والسيطرة ممنوحة طوعاً من قبل من كان يدعي السيادة والاستقلال، وقايضهما مقابل وهم السلطة والمناصب والكثير من أرباح المغانم والحصص والصفقات، باسم “حقوق المسيحيين”.

ودولة كهذه، يقرر مصيرها مستشار الحرس الثوري، الذي برع في قتل شعبه (أكثر من ألف قتيل بثلاثة أيام وآلاف المعتقلين المعذبين)، ويقتل بدم بارد وإجرامي الشبان العراقيين، ويشن حملة إبادة على الشعب السوري.. ليس لها الحق أن تسمي نفسها “دولة”. فعدا عن كونها فاشلة في تنظيف مجاريرها، وغارقة في الفساد على نحو قياسي يظهر في الإحصاءات الدولية، ومنهارة مالياً واقتصادياً، هي أيضاً مجردة من الكرامة. هذه الكلمة الأخيرة التي يتم ابتذالها هي والانتصارات والعزة والشرف فوق الخرائب المتكاثرة والفقر المتفشي والمقابر المتوسعة.

ليس من لوم لا على إيران ولا على حرسها في هذا الاحتقار التام لمبدأ “سيادة الدولة”، بل لا لوم حتى على حزب الله المنسجم مع إيمانه بالامبراطورية الخمينية. اللوم – الذي لا طائل منه أصلاً – يقع على من يمثل الدولة اللبنانية رسمياً، هؤلاء تحديداً الذين صاغوا عام 2016 ما سُمي “التسوية”، التي كانت بمثابة صك تمكين إيران من التحكم بلبنان ومصيره.

لذا، ليست صادمة وقاحة قرباني، الذي قرر أيضاً أن يقول أن “قلوب وأرواح شعوب اليمن وسوريا ولبنان والعراق مع إيران”. بمعنى آخر يؤمن هذا الضابط امتلاكه أيضاً قلوبنا وأرواحنا. لما لا، طالما أن لديه في هذه الدول ميليشيات الحشد الشعبي وحزب الله وأنصار الله وميليشيات الأسد. فهذه كلها لديها قدرة إقناع لشعوبها بالغة الفعالية، كما اختبرنا طوال العقدين الماضيين وحتى اليوم. ففرق الإعدام في الميادين العراقية وبراميل الأسد فوق المدن السورية وفرق الاغتيال في شوارع بيروت وجحافل الحوثيين في صنعاء، حاسمة في كسب عقول وأفئدة الشعوب.

على كل حال، وبغض النظر عن هذا الـ”لبنان” وصغائره، فقد طمأننا اللواء قرباني بقرب “تقطيع آذان الإسرائيليين إرباً” (حسب قوله). وربما علينا الافتخار من الآن فصاعداً، فـ”المقاومة” لا تحمي لبنان فقط بل تحمي إيران وحلف الممانعة كله، بما فيه فنزويلا ربما. وفي هذه الأثناء كل هذه الاحتجاجات عن الإفلاس والفساد والانهيار وسعر العملة والاقتصاد والطبابة والتعليم والبنى التحتية والعدالة والحريات، والتلويح بالأعلام اللبنانية.. ما هي إلا مؤامرة أميركية وكلام خونة.