استمع لاذاعتنا

حمّى السحوبات تهدد المصارف بالإفلاس والدمج؟

لم تنْفذ المصارف، منذ اندلاع الثورة في 17 تشرين الثاني، من تبعات الجدل السياسي الدائر حول تشكيل الحكومة. إذ تشير مصادر مصرفية مطلعة إلى أن الاختلاف في وجهات النظر كان حاضراً داخل أروقة جمعية المصارف منذ إستقالة الرئيس سعد الحريري من الحكومة نهاية الشهر الفائت. وفيما كان بعض رؤساء مجالس إدارات المصارف يرون أن التأخير في إطلاق الاستشارات النيابية الملزمة، أمر إيجابي، لأنه يؤسّس لحلّ متماسك يفضي إلى تشكيل حكومة قادرة على إخراج البلد من عنق الزجاجة (وهم غالباً من يدور في فلك العهد)، كان بعضهم الآخر يعتبر أن التأخير هو لبّ الأزمة المصرفية، وأن إطلاق هذه الاستشارات مبكراً كان سيوفّر معاناة كبيرة على القطاع، ويعفي الناس من متلازمتي الذعر والتهافت على سحب الودائع.

القطاع المصرفي لا المصرف
النتيجة كانت أنّ المصارف أغلقت أبوابها، لأسباب قيل إنها أمنية تخصّ سلامة موظفي المصارف، وهذا إلى حد بعيد كان صحيحاً في بعض المناطق، لكن هذا الأمر شكّل حجة صلبة تسلّحت بها إدارات المصارف لشراء المزيد من الوقت في البحث عن حلّ، فأوحى الاتفاق مع وزارة الداخلية القاضي بنشر 1576 عنصراً من قوى الأمن على مداخل فروع المصارف الـ947 وتسيير الدوريات في المناطق، بأن المصارف تتحضر لما هو أصعب بكثير، وجعلها كذاك الذي يحمي الأموال من أصحابها الحقيقيين!

مصادر خاصة أشارت لموقع “المدن”، إلى أن اتفاقاً أبصر النور في اجتماع جمعية المصارف الأسبوع الفائت، أدى إلى انفراج الأزمة نسبياً وإلى فتح المصارف أبوابها، وبالتالي استئناف العمل ضمن ضوابط صارمة على حركة السحوبات والتحويلات الى الخارج، يكون محورها مبدأ: “الحفاظ على القطاع المصرفي لا المصرف”. المصادر نفسها كشفت أن الخلاف بين المصارف في الجمعية كان، في حينه، يدور حول رأيين: الأول، لمصارف (صغيرة الحجم خصوصاً) كانت تؤيّد فكرة الاستمرار في إقفال أبوابها بغية حماية نفسها من طلبات المودعين، نظراً إلى عدم قدرتها على تلبية هذه الطلبات، في حين فضّل بعضها الآخر استئناف العمل، لأن هذه الخطوة سترسل إشارات تطمين إلى العملاء وتخبرهم، بشكل غير مباشر، أن الأزمة مضبوطة الإيقاع. وهذا كفيل بالحد من منسوب الذعر والإقبال على السحوبات، وبالتالي إعفاء القطاع المصرفي من الانهيار.

ضبط الكتلة النقدية
وأشارت المصادر إلى أن الضوابط التي رسمتها جمعية المصارف عنوانها الرئيسي: “تغيير قواعد الاشتباك” بين المصارف وبين العملاء حفاظاً على المبدأ أعلاه: “حماية القطاع المصرفي لا المصرف” وذلك لأن “سقوط مصرفٍ واحدِ أو مصرفين من أصل 67 مصرفاً سيكون أفضل بكثير من سقوط القطاع المصرفي بأكمله”.. فكيف ذلك؟

الضوابط التي فرضتها جمعية المصارف على المودعين تقضي بمنع التحويلات المصرفية إلى خارج لبنان بشكل نهائي، وكذلك تقييد حركة السحوبات بعملة الدولار بشكل حازم (بين 300 وألف دولار أسبوعياً بحسب قدرة المصرف) لإدخارها في المنازل أو صرفها. فهذه الاجراءات تحافظ على ضبط الكتلة النقدية وحمايتها من الاستنزاف، طالما أن الاجراءات تحافظ عليها داخل حدود القطاع المصرفي، بمعزل عن الجهة المصرفية التي تودعها في حساباتها. بمعنى آخر يمكن نقل الأموال (مهما بلغت قيمتها) من حساب إلى حساب ومن مصرف إلى مصرف بالعملة اللبنانية أو بالدولار الأميركي، شرط أن تبقى عملية نقل هذه الأموال (بموجب شيك مصرفي يودع في الحساب ولا يُصرف نقداً مهما كانت قيمته) ضمن القطاع المصرفي اللبناني وعن طريقه.

وفي هذا الصدد، يقول المصدر: “باعتقاد الناس، الأموال ليست موجودة إلا إذا كانت على شكل أوراق نقدية، وهذا خطأ كبير”، فالأزمة نشبت بشكل عام لأن الناس تهافتت على السحوبات، فيما البنوك غير معتادة على تأمين هذه الأرقام نقداً في الأيام الطبيعية. وبالتالي، كان من ضمن أهداف الضوابط أيضاً توحيد المعايير، وإرساء المساواة بين العملاء في موضوع السحب بمعزل عن حجم إيداعاتهم، على أن يتحرّك كل مصرف ضمن هذه الضوابط ووفق قدراته الخاصة، وما يتوفر لديه من أموال نقدية يومية تؤمنها حركة الإيداعات.

التكاتف والتعاون
وحسب المصادر، فإن هذه الضوابط ستحمي القطاع المصرفي وتحصنه اليوم، لكن حمّى السحوبات إذا تواصلت بالوتيرة نفسها، قد “تهدد عدداً من المصارف بالإفلاس. خصوصا تلك التي قد تصطدم بالتعثرات النقدية إذا طال أمد الأزمة”. وتنهي المصادر حديثها بالقول إن “هكذا نتائج إذا حصلت، لن تظهر تبعاتها الآن أبداً، لأن المصارف ستمتص الخسائر وستساند بعضها للحفاظ على ودائع الناس، وبالتالي سيؤجل الإعلان عنها أو عن أي افلاس أو انهيار إلى حين تخطّي الأزمة” (إن تمكنا من تخطّيها طبعاً!) لأن المصارف برغم الخلافات على توصيف الأزمة، “تُسلّم بحتمية التكاتف والتعاون في ما بينها لأن سقوط أي طرف في هذا التوقيت سيتسبّب بانهيار القطاع كاملاً”، من دون أن تنفي المصادر في الختام، احتمال اللجوء إلى عمليات دمج قد يشهدها القطاع بعد انحسار المخاطر، وذلك باشراف المصرف المركزي.