استمع لاذاعتنا

رهبان “رسالة حياة” وضحاياهم: العصبية الطائفية تتمرد على القانون

توقيف راهبتين عضوتين في جمعية “رسالة حياة – بيت الحماية”، أثار صخباً إعلامياً مستمراً منذ مساء الجمعة 6 كانون أول 2019. وقد تم التوقيف بناءً على إشارة من المدعي العام في جبل لبنان القاضية نازك الخطيب، بعد امتناع الراهبتين عن تنفيذ قرار قضائي. وكانت القاضية المنفردة الجزائية في بعبدا، الناظرة في قضايا جنح الأحداث جويل أبو حيدر، قد أصدرت قراراً حمائياً لمصلحة خمسة أطفال موجودين لدى الجمعية الرعائية المذكورة. بناءً على هذا القرار، توجّهت مندوبات اجتماعيات من قبل اتحاد حماية الأحداث إلى مركز الجمعية، بمؤازرة عناصر من الدرك بهدف نقل الأطفال إلى مكان آمن، غير أن راهبات مسؤولات امتنعن عن تطبيق الحكم ما أدى إلى توقيفهما.

11 إفادة صادمة
يتألف قرار القاضية أبو حيدر من 34 صفحة تفصيلية (هنا نصه الكامل)، تتضمن 11 إفادة وشهادة لأطفال تم الاستماع إليهم من قبل المندوبة الاجتماعية من جهة المحكمة، تمحورت جميعها حول واقعة الضرب الشديد داخل الجمعية، من قبل أشخاص محددين، تم تعداد أسمائهم مرارً وتكراراً من قبل القاصرين. كما تكلّم الأطفال عن إعتداءات جنسية وتحرّش، وإرغام فتيات على تناول مهدئات! وقص شعرهن خلافاً لإرادتهن، واستغلال هشاشة الأطفال الأجانب من خلال عدم تجديد أوراق إقامتهم.

يبرز قرار القاضية أبوحيدر جهداً استثنائياً في حماية الأطفال، وإعلاء المبادئ الضامنة لسلامتهم. وقد عمدت إلى تبليغه لأي جهة يمكن أن يكون لها دور لحماية الأولاد ولمتابعة التحقيقات الجزائية، تبعاً لما تبيّن في تحقيقاتها، كما أنها أيضاً أبلغت “البطريرك الراعي”.

القرار الصادر بتاريخ (6 كانون أولأول 2019) والذي تم ابلاغه إلى البطريركية، يتضمن في حيثياته أن إحدى الراهبات أعلمت جميع الأطفال أن “فخامة رئيس الجمهورية ميشال عون تدخل في القضية المنسوبة إلى الجمعية كما فعل غبطة البطريرك ما نصرالله بطرس الراعي”. ليبدو من هذا المنطلق لافتاً ما جاء على لسان البطريرك في عظة الأحد (8 كانون أول 2019) لناحية القضية: “إن ما سمعناه في الأمس ولأول مرة حول تحرّش في جمعية رسالة حياة، لم نكن شخصياً نعلم به، وأنشأنا هيئة تحقيق به كما توجب القوانين الكنسية، نطالب باحترام متبادل بين المحاكم الكنسية والمحاكم العدلية”.

ليست المرة الأولى
تتصل القضية بقرار حماية صدر عام 2014 لمصلحة طفلين تركهما والديهما، وأفادت جدّتهما أنها غير قادرة على إعالتهما، فعهد إلى جمعية رسالة سماء الاعتناء بهما. خلال شهر حزيران 2017 تقدّمت الجدة بشكوى أمام فصيلة أنطلياس متخذة صفة الادعاء الشخصي بوجه الجمعية على خلفية تعرّض حفيدها للضرب من قبل سائق الباص الذي يقلّه إلى منزلها. وقد حضرت القاضية أبو حيدر ومعها مندوبة اجتماعية إلى الفصيلة وتابعت التحقيقات، حيث تبين من الإفادات أنه بالإضافة إلى الإيذاء والعنف الذي تعرّض له الطفل، طلبت الجمعية منه عدم إخبار جدته بما حصل. الطفل المطلوب حمايته، أدلى خلال شهادته عن التعرّض للتحرّش والعنف الجسدي والمعنوي.

في اليوم التالي للاستماع إلى القاصرين في انطلياس، رفضت الجمعية السماح لمكتب اتحاد حماية الأحداث، المكلف من قبل المحكمة، الاستماع بشكل سري لجميع القاصرين المتواجدين لديها، رغم تواصل رئيسة المحكمة شخصيا مع الجمعية. وقد اعتبرت الجمعية أن “الموضوع لا يستحق كل هذه التحقيقات، وأن مرجعيتها هي كنيسة الرهبنة المارونية”. أيضاً تعمدت الجمعية إبعاد ضحية تحرّش إلى بسكنتا يوم حضور المندوبة الاجتماعية لمقابلة جميع الأطفال في الجمعية. بالإضافة إلى ذلك، يظهر من إفادات الأطفال أن الجمعية امتنعت عن تقديم طلباتهم لزيارة أهلهم إلى القضاء، وأقنعتهم أن الأمر معقد جداً!

يشكل كل ما تقدّم “”خرقاَ فاضحاً للقانون”، فتدبير الحماية الذي يقرره القاضي، الناظر في قضايا الأحداث، بوضع طفل معرّض للخطر بإحدى المؤسسات الاجتماعية، يشترط إشراف مندوب اجتماعي. وتتمتع المندوبات الاجتماعيات، وفقاً للاتفاقية الموقعة بين “الاتحاد” ووزارة العدل، بصلاحية متابعة الأطفال المعرضين للخطر أو المخالفين للقانون لدى الجمعيات ومؤسسات الرعاية.

عنف وتحرش
بالعودة إلى شكوى العنف عام 2014، فقد شكّلت أرضيةً لريبة المحكمة من مجمل ظروف إقامة الأطفال في مركز الحماية (جمعية رسالة حياة). وبعد مماطلات عديدة يبرزها القرار، تمكنت المحكمة من الاستماع إلى الأطفال الـ 11، ليظهر من إفاداتهم تعرّضهم في مركز الحماية إلى أشكال عديدة من العنف والتحرش الجنسي.

وتحدّث أطفال عن تعرّضهم للتحرّش من قبل أطفال مقيمين في بيت الحماية، هم أكبر منهم سناً، وعن معرفة الإدارة بالموضوع. الأمر الذي تؤكده لاحقاً شهادة أحد الأطفال، لناحية ما قالته له الراهبة محاولةَ ثنيه عن التقدم بإفادته: “هيدي القاضية ما منيحة.. وممكن يتحول الأمر ضدك، لأنك سبق وتحرشت بقاصر”. بالمقابل، تحدّث الأطفال عن تعرّضهم هم أو أصدقائهم للتحرش من قبل أحد الرهبان، الذي تكرر اسمه في جميع الشهادات. وكانت الجمعية قد عمدت إلى إرسال الطفلة، ضحية تحرّش الراهب، إلى بلدة بسكنتا يوم حضور مندوبة الأحداث إلى الجمعية.

على صعيد العنف، عبّر الأطفال عن تعرّضهم لعنف شديد، من قبل راهبات تكرر ذكر أسمائهن. وجاء في إحدى الإفادات أن أحد الأطفال تعرض للضرب مرة على رأسه حيث سالت منه الدماء. ومن أشكال العنف أيضاً، والذي تتعرض له الفتيات خصوصاً، هو إلزامهن بقص شعرهن “تفادياً للقمل”. فإذا امتنعن يتم إعطائهن حبوب مهدئة ليتم قص شعرهن بعدها.

إلى ذلك، يظهر من الإفادات أن الجمعية تستغل هشاشة مكتومي القيد والأجانب لتقوم بـ”تهديد الأطفال الذين لا يملكون أوراقاً ثبوتية أو إقامات مشروعة على الأراضي اللبنانية، بسبب العجز المادي وعدم مساعدتهم في إتمامها، في حال عدم انصياعهم لأوامر الجمعية”.

سمو مصلحة الطفل
أهمية قرار القاضية أبو حيدر تكمن في إرساء مبدأ “مصلحة الطفل” وإعلاءها فوق أي اعتبارات أخرى. تستعيد القاضية أبو حيدر الإعلان العاملي لحقوق الطفل، إلى جانب قانون حماية الأحداث (422/2000)، لتبرزه كمرجعية أساسية للقضاء في التعامل مع الأطفال، وحماية مصلحتهم، وجعلها أعلى من أي مصلحة أخرى. ويؤكد القرار في هذا المجال على أن دور الدولة أن تكفل “تقيد الإدارات والمرافق والمؤسسات المسؤولة عن رعاية أو حماية الأطفال بالمعايير التي تضعها السلطة المختصة”. كما تؤكد على أنه إن “كان دور المحكمة يتمثل بتعليق حق الأهل بحراسة وتربية الأولاد، عندما يتأتى الخطر عنهم، عبر وضعهم لدى جمعيات.. فإنه من باب أولى أن تضاعف جهودها عند وجود شكوى أن الجمعية هي مصدر الخطر”.

تمسّك القاضية أبو حيدر في إبراز دور المحكمة المدنية المركزي بحماية الأطفال، وسمو مصلحتهم لا يأتي من عدم. ذلك أن باع القضاء العدلي مع رفض مؤسسات الطوائف الانصياع للقانون طويل. في هذا المجال مثلاً يمكن التذكير بقضية “الأب لبكي” الذي أمّن مثوله أمام المحكمة الكنسية حماية له من العقاب، في قضايا التحرش المنسوبة إليه والمثبتة في أحكام قضايا صادرة في فرنسا.

إشكالية التبني والإتجار بالأطفال
تبني الأطفال من دون المرور بالمحاكم المدنية، وعبر الكنيسة حصراً، هو من آليات خروج المؤسسات الدينية عن القانون أيضاً. هذا ما يستنتج من حديث “المدن” مع رئيسة “الاتحاد لحماية الأحداث” أميرة سكر، التي تؤكد أن “هناك خمس جمعيات في لبنان تعطيها المطرانية الحق بمنح أطفال للتبني”. تضيف أن “هذا القطاع بحاجة إلى التنظيم اليوم، فما يحصل هو أن التبني لا يمر بالمحكمة الناظرة بقضايا الأحداث. بالتالي، الدولة لا تملك أي معلومات عن عمليات التبني هذه. والأطفال لا يتمتعون بأي حماية”. من هذا المنطلق “يتم العمل لإلزام كل الجهات المعنية بعدم إجراء أي عملية تبني من دون المرور بمرحلة العائلة البديلة”. وهذه المرحلة تتمثل “بتدخل الاتحاد والمحكمة الناظرة بقضايا الأحداث لتحديد عائلة بديلة للطفل، ومراقبة مصلحته خلال إقامته معها. وتبعاً لهذه الآلية تقرر المحكمة في النهاية صلاحية العائلة للتبني من عدمها”. بالتالي فإن “منح العائلة حق التبني من قبل المطرانية لاحقاً، لا يكون إلا تبعاً لقرار المحكمة”. من هذا المنطلق، فإن استمرار المؤسسات الدينية برفض المرور بهذه الآلية، يتركها عرضة لتهمة التغطية عن حالات إتجار بالأطفال، في كل مرة تتبنى عائلة طفل من خلال جمعيات تابعة لها”.

رسالة ضحية إلى المحكمة
رداً على كل اللغط والتشويش الذي صاحب القرار القاضي، يكفي قراء نص رسالة كتبها أحد الضحايا موجهة إلى القاضية، لنفهم الحقيقة وندركها: “شكراً لأنك تحترمين قراراتنا وتساعدينا، شكراً جزيلاً، إنشالله خير، شكراً لأنك تفهمين وضعنا وغيّرتي لنا الدير، كنا بحاجة لك وأنت أنقذتنا”.