الأربعاء 6 جمادى الأولى 1444 ﻫ - 30 نوفمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

عصر توتال وتحالف شرق المتوسط: بوابة التطبيع؟

منير الربيع - المدن
A A A
طباعة المقال

هل تدخل المنطقة في عصر التطبيع؟ هو تطبيع مقنّع. فليس صدفة أنه بعد إنجاز اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل، أن يتم الاتفاق بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية -وحركة حماس ضمناً- على تطوير حقل للغاز الطبيعي قبالة شواطئ غزّة. وكنا قد أشرنا في مقالة سابقة إلى أنه ما بعد ترسيم الحدود البحرية اللبنانية، سيكون التركيز على اتفاق حول حقول الغاز قبالة غزة. ولا ينفصل ذلك عن جملة أحداث وتطورات، أولها المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس والتي ترعاها الجزائر، الاستعداد لدى حركة حماس للتوجه إلى دمشق، وغياب حماس عن المعركة الأخيرة التي خاضها الإسرائيليون في قطاع غزّة مع الجهاد الإسلامي.

عصر جديد؟
لا يرضى أحد من اللبنانيين أو السوريين أو الفلسطينيين، لا سيما المنتسبون إلى محور الممانعة أو مؤيدوه، وصف ما يجري بأنه تطبيع. حتى الآن لا يجدون التسمية اللغوية اللائقة للحدث أو المناسبة، فهل سيكون اتفاقاً، أم تفاهماً، أم اتفاقية؟ كل ذلك لا يبدو مؤثراً في السياق العام، وبغض النظر عن الصراع على انتقاء الكلمات. ثمة عصر جديد تسلكه المنطقة، وربما يكون التقاتل بين المكونات السياسية والاجتماعية فيها هو على من يسبق الآخر في اللحاق بركب ذلك القطار. إذ ثمة من يخرج في لبنان ليعلن دخوله نادي الدول النفطية، أو إلى عصر الغاز. ولكن يغيب عن بال هؤلاء أن الدخول إلى عصر الغاز يمر في طريق أساسي، وهو إسرائيل وأنابيبها باتجاه قبرص واليونان وأوروبا. أو أن الخيار الثاني الأصعب والأكثر كلفة سيكون باللجوء إلى تحويل الغاز إلى سائل وتصديره في البحر إلى تركيا ومنها إلى أوروبا.

نفوذ توتال المقبل
لشركة توتال الفرنسية الدور الأبرز على الساحة اللبنانية تنقيباً واستخراجاً لاحقاً. وهذا ما سيفرض واقعاً ثالثاً يرتبط بتصريف الإنتاج. إذ أن شركة توتال قد تلجأ إلى شراء الغاز المستخرج من لبنان، فيصبح ملكاً لها، وبالتالي يحق لها تمريره في أنابيب تحالف دول شرق المتوسط. وقد يستفيق اللبنانيون يوماً على اكتشاف حجم النفوذ الذي تتمتع به توتال في لبنان، وكأنه سيصبح أوسع بكثير من نفوذ الحكومة مجتمعة والرئاسات المختلفة.

معروف أيضاً حجم التنافس التركي الفرنسي في البحر الأبيض المتوسط. ففرنسا إحدى أبرز الدول العاملة على خط إنشاء ودعم دول تحالف شرق المتوسط، وهي صاحبة العلاقة الاستراتيجية بقبرص واليونان، بالإضافة إلى علاقتها الجيدة مع اسرائيل ومصر. كما أنه لا يمكن إغفال علاقتها الجيدة السياسية وغير السياسية مع طهران، ما منحها قدرة على لعب دور أوسع. وبما أن فرنسا وشركة توتال سيعملان على تعزيز دورهما في لبنان، تنقيباً واستخراجاً وتصديراً، فحتماً إن وجهة توتال هي تفضيل تصدير الغاز المستخرج عبر أنابيب دول تحالف شرق المتوسط، وهذا بحدّ ذاته تطبيع ضمني.

تبعات استراتيجية
إنها مسألة أساسية لا يقاربها أي من المسؤولين اللبنانيين حتى الآن، ولكن حتماً سيكون لها تبعات استراتيجية حول وجهة البلد، وكيف سيعمل على تصدير منتجاته النفطية والغازية. وهو أمر قد يتخلى عنه لبنان لصالح توتال أو غيرها من الشركات.

وثمة مفارقة لا بد من تسجيلها أيضاً، ففي الوقت الذي ألغيت فيه زيارة وزير الطاقة وليد فياض إلى الجزائر، وذلك لأسباب تتعلق بدعاوى قضائية رفعت سابقاً في لبنان، وربما الغاية من ورائها كانت فعلاً تخريبياً. ولا تخريب عبثياً يحصل في لبنان، إنما العبث والتخريب ممنهجان ويرتبطان بأهداف أخرى، كما هو الحال بالنسبة إلى السياستين النقدية والمالية وصولاً إلى أزمة المصارف، لأنها كلها ستؤسس لتصورات جديدة لاحقاً..

إذاً، في الوقت الذي ألغيت فيه زيارة فياض، كان يُعقد اجتماع لوزراء الطاقة في دول تحالف شرق المتوسط في قبرص للبحث في ربط خطّ كهربائي بين إسرائيل وقبرص واليونان بأوروبا. وهو تحالف متفرّع من تحالف دول شرق المتوسط، فيما لبنان لا يزال ينتظر استثناءً للحصول على الكهرباء من الأردن والغاز من مصر، وكلاهما من ضمن دول التحالف. وفي واشنطن يقدّم أعضاء في الكونغرس اقتراح قانون يمنع أي إدارة أميركية من منح استثناءات متعلقة بقانون قيصر، ما يهدف إلى قطع الطريق على حصول لبنان على الغاز المصري والأردني عبر الأراضي السورية.
واللبيب من الإشارة يفهم.