
بلال علامة
لا شك أن موظفي القطاع العام كانوا الأكثر تأثراً بالأزمة الإقتصادية والمالية التي تعصف بلبنان منذ أكثر من أربع سنوات ولذلك اضطر هؤلاء الموظفون إلى الإضراب الكلي أحياناً و الجزئي أحياناً أخرى بعدما فقدت رواتبهم أكثر من ٩٠% من قيمتها جراء تدهور الليرة اللبنانية.
فكيف يؤثر التخبط بالإدارات العامة والدوائر العقارية على الإقتصاد والنمو والمالية العامة؟
على هذا السؤال يجيب الخبير الإقتصادي الدكتور بلال علامة الذي قال في حديث لصوت بيروت إنترناشونال : “فعلت الأزمة المالية والإقتصادية فعلها بحيث أصبح التخبط والتفكك سمة للمؤسسات العامة وعنوان عملها ويخطئ من يعتقد بأن التخبط بدأ بعد العام 2019 أي بعد 17 تشرين وثورة الشعب اللبناني بوجه السلطة السياسية التي أمعنت في ضرب مقومات استمرارية القطاع العام ومؤسسات الدولة”.
ووفقاً لعلامة بدأ هذا السيناريو منذ العام 2016 ونتيجة لإقرار سلسلة الرتب والرواتب بطريقة غير مدروسة وتفتقد للعدالة الاجتماعية بحيث بات سبباً رئيسياً لتفكك المؤسسات العامة وتحللها وفي العام 2018 شهدت قطاعات ومؤسسات القطاع العام أخطر ظاهرة للتوظيف الزبائني الغير قانوني حيث تم توظيف أكثر من عشرة آلاف موظف والبعض يقول أن الرقم أكثر بكثير وبخلفية سياسية إنتخابية ومعظم من تم توظيفهم لا عمل لهم ولم يلتحقوا بأماكن عملهم.
ويقول علامة: بدل أن تعمد السلطة لمحاسبة من إرتكب المخالفات القانونية راحت تغطي على عمليات التوظيف ولذلك إضطرت إلى تعطيل عمل مؤسسات الرقابة وأجهزة المحاسبة في القطاع العام مشيراً إلى أنه بعد الإنهيار المالي الذي أصاب من الليرة اللبنانية مقتلاً زاد تحلل المؤسسات العامة وبدأ التفكك العضوي بعد بدء الموظفين مسلسل الإضراب عن العمل وعدم الحضور إلى مراكز العمل لاسيما وأن الموظفين والعاملين في القطاع العام وجدوا في تدني القيمة الشرائية لليرة اللبنانية وإرتفاع سعر صفيحة البنزين إلى أسعار خيالية سبباً مهماً لعدم الحضور إلى العمل وبالتالي التمنع عن تسيير الأعمال في القطاع العام في ظل غياب كلي للأجهزة الرقابية التي بدل أن تقوم بدورها أنضمت الى فكرة الإضراب والتمنع عن العمل. ويتابع علامة في العام 2020 بدأت عملية جديدة طالت بعض مؤسسات القطاع العام والفساد المستشري فيها وأهمها مصلحة تسجيل السيارات والنافعة والدوائر العقارية وقطاع النفط وغيرهم إذ أدى هذا الامر الى توقف العمل في معظم الإدارات والمصالح المذكورة علماً بأنها تعتبر من أهم مصادر الإيرادات للدولة ومراكز كبرى لجباية الرسوم والضرائب وإنعكس هذا الامر تراجعاً كبيراً في مالية الدولة وحركتها لافتاً إلى أن البعض اعتبر ان هذا الإقفال كان مخططاً ومطلوباً كي تتوقف هذه الإدارات ريثما يتم تعديل الرسوم والضرائب وهذا ما حصل تحديداً في مشروع موازنة 2024.
ويوضح علامة بأن ايرادات الخزينة من الرسوم والضرائب هي الأداة التي لها اليد الطولى في تحريك الجانب الاستثماري والجانب التنموي من الإقتصاد.
فالنمو هو التوسع في حجم وعمليات الاقتصاد الكلي بينما التنمية هي عملية مخططة بحاجة لتمويل ضمن فترة محددة وهذا يفسر بشكل واضح غياب الإستثمار والتنمية والنمو طيلة 3 سنوات سبقت “وعسى يكون عودة العمل لمؤسسات الدولة سبيلاً لعودة التنمية والنمو والإزدهار”.
ويتخوف علامة لأن المؤسسات التي يصيبها التفكك والتحلل تصبح قيامتها صعبة إن لم نقل مستحيلة, وقد يكون التفكك الذي ضرب مؤسسات القطاع العام في لبنان يمثل الجهد الذي بذل من قبل السياسيين وأحزاب السلطة للقضاء على القطاع العام ومؤسساته وتخليص المالية العامة من عبء لطالما مثل السبب الأكبر لعجز الخزينة اللبنانية الدائم.