استمع لاذاعتنا

عن دولة الطوابير والكارتيلات وحكومة اللجان والمستشارين

ليست مزحةُ «المازح» آخر فصول الانهيار والخفّة والهزل في إدارة البلاد.. ولن تكون. بتنا لألف سببٍ وسبب نعيشُ في دولة التباينات واللجان والمستشارين والرجوع عن القرارات.

دولةُ «سلعاتا وأخواتها»، دولة الفشل والمآسي والبهورات والإفلاس والانقسام ومعاداة الإصلاح.. وفي ظل سلطة تقطّع الوقت بالكثير الكثير من الكلام الانهزامي والسلبي المنتقى بعناية من مفردات القاموس اللبناني الثري جداً بالاحتيالات اللغوية لتغطية الفشل والانهيار.

هكذا يبدو لبنان بعد أقل من أربع سنوات على بداية العهد الذي يعتبره البعض «قويا»، وقد شاخَ سريعاً، وأصبح عاجزاً عن القيام بوظائفه، حتى البديهية منها… طوابيرُ المواطنين أمام منافذ السلع الحياتية والحيوية تغني عن كل كلام، وتحيلُ إلى مناظر مشابهة في الدول الفاشلة والمعزولة والمنبوذة.

بعيداً عن قرارٍ ممهورٍ بفائضِ الإنكار والانفصال عن الواقع، لا يتحملُ المشهدُ اللبناني مزيداً من التسخيف والتورّم… باتَ كثيرون ممن يتصدرون المشهد بحاجة للمثول أمام هيئات التفتيش للبحث في مدى أهليتهم لتولي مسؤوليات عامة.

يَخالُ المتغطرسون أن الهروب إلى الأمام، باجتماعات أو لجان أو قرارات أو بالقمع والتضييق على الحريات، يحجبُ الفضائح التي يعيشها هذا البلد بسبب طبقته الحاكمة!! بكل حال أجادت السفيرة الأميركية دوروثي شيا بـ«تقريع» من يعنيهم الأمر، وحضّهم على ضرورة التركيز على القضايا المهمة للشعب اللبناني بدل المزيد من الغرق بالفساد والتلهي بنظريات فضفاضة لا تجدي نفعاً، وكان سبقها أيضاً ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش، وأكثر من مرة، بكلام مشابه يعكس خيبة الأمل الدولية من المنظومة الحاكمة والعصيّة على الإصلاح أو الثقة.

أيضاً وأيضاً، وعلى وقع الانهيار المتسارع لليرة التي فقدت 80 % من قيمتها أمام الدولار، بحسب وكالة «رويترز»، جاء ردّ مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا غير المباشر على «مسلسل الأرقام والانتصارات الوهمية» بأننا «لا نتوقع تحقيق تقدم في المفاوضات مع لبنان»، وكأنها تقول للحكومة نحن نعرف الأرقام أكثر منكم، والمطلوب تعرفونه جيداً؛ لا مساعدات دون إصلاحات، ولا مساعدات في ظل إدارة سيئة لمالية الدولة وغياب الشفافية، ولا مساعدات لبلد تحكمه الكارتيلات والصرّافون والسماسرة والمستشارون.. ونقطة على السطر.

للتذكير؛ نَظّرَ جبران باسيل مرةً لمحطة عالمية رصينة (ليس المقابلة الشهيرة في دافوس مع هادلي غامبل) قائلاً: «ربما علينا أن نُعلّم واشنطن ولندن كيف يديرون البلاد بدون موازنة».. ونظراً لنجاح هذه التجربة الرائدة، عليه فعلاً أن يسدي نصائحه للسيدة جورجيفا حول كيفية وقف العمل بالخطط لمصلحة الارتجال والانقلاب على القرارات الحكومية، وفي كيفية بناء السدود المثقوبة، وأصول صرف 45 مليار دولار على قطاع الكهرباء من دون وجود تيار!

الاجتماع «الوطني»!

فيما كان اجتماع بعبدا «الوطني» يبحث، الخميس الفائت، إبعاد شبح الحرب والاقتتال الطائفي عن البلد!!!، كان الدولار يواصل تحليقه، وكانت طوابير الناس تزدحم، تباعاً، أمام شركات الصرافة، وأمام محطات الوقود، وأمام الصيدليات، وأمام الأفران، وأمام أشباح اليأس والإحباط والخيبة وانقطاع الأمل… في ظل غياب الكهرباء، وانقطاع المحروقات (أو تهريبها)، وارتفاع نسب البطالة المخيفة، وازدياد الفقر والجوع… لكن في القاموس اللبناني المهم هو إبعاد شبح الحرب والفتنة. والواقع ان ثمة مخاطر حقيقية في طرح «حديث الحرب» بشكل شعبوي لغايات سياسية، لأنها إن حصلت، في ظروف الإفلاس والانهيار القائم، ستكون كارثة بكل المعايير، وإن لم تحصل سيُخضع اللبنانيون – فوق ما يتعرضون له من ضغوطات – مجدداً لمنطق الابتزاز والتهويل بالانتصارات المزعومة، وفوق ذلك هي حديث مناسب للتمهيد لأي عمليات قمع أو تضييق على الثائرين بوجه السلطة.

حوار بعبدا، الذي قال عنه البطريرك الراعي أمس، إنه «زاد الانقسام الداخلي»، بدا خطوة هامشية، لم ينتبه له ولا لنتائجه أحد، وكأنه لم ينعقد، لأنه لم يقدم مقاربات جدية للحلول، ولم يُجب عن أسئلة وهواجس الناس حول غياب الدولة المدوّي عن كل ما يجري. قبل أن ينتظر هؤلاء مساعدات الخارج، عليهم الإجابة هل ثمة دولة في لبنان؟ وأي دولة هي؟

دولة بمفاهيم كثيرة

دولةُ الستة أسعار للدولار؛ دولار السعر الرسمي، ودولار المصرف، ودولار التحويلات الخارجية، ودولار دعم المواد الأساسية، ودولار الصرافين، ودولار السوق السوداء..

دولةُ «ضخّ الدولار» مما تبقى من أموال المودعين ليتم تهريبها للخارج، وليس استجلاب الدولار من الخارج للداخل لمعالجة الأزمة وإعادة بناء الاقتصاد! ودولة «أحجية» تحويلات المليارات المهرّبة تحت جنح الظلام في فترة التعطيل وصخب الانتفاضة، من دون أن يتجرأ أي مسؤول عن إعلان أين وصلت التحقيقات بشأن هذه الفضيحة الكافية لإدانة الطبقة الحاكمة جميعها؟!

دولةُ النفايات المتراكمة في الشوارع والساحات والوديان، والتي باتت ملاذاً لأناس يبحثون فيها عمّا يسدّ جوعهم. دولة صرف الملايين على الشركات الاستشارية مقابل لا شيء، وكأن لا حكومة أو وزارات أو مختصين في هذا البلد، دولةُ المستشارين الذين سماهم وليد جنبلاط «عسس الإدارة الحاقدين».

دولةُ الجوع التي اختصرتها صورٌ نشرتها وكالة الصحافة الفرنسية قبل أيام لبرادات مواطنين خلت من أية مواد غذائية… دولةٌ تخلت عن وظائفها الرئيسية في رعاية مواطنيها وتوفير الأمن لهم، وحماية السيادة وتمتين علاقات لبنان بالعالم على قواعد المصالح والتفاعل… لأنها ببساطة دولة العجز والتكاذب والمأساة والفشل والتهريب والانقسام والإفلاس ومعاداة الإصلاح والغرق في الفساد.

ضعف الدولة نتيجة طبيعية لسياسات الفساد وهيمنة السلاح، وغياب الرؤى والسياسات، وفوضى الفساد، وهو واقع يطرح بشدة السؤال عن احتمالات المرحلة المقبلة، هل يمكن إجراء تغيير حكومي وسط صعوبة إيجاد أخرى، مستقلة وقادرة على استرجاع الثقة والمضي بالإصلاحات؟ وهل حديث الحرب المتعاظم هذه الفترة مجرد استجرار للعروض أو فرصة لكل الأطراف للهروب إلى الأمام وخلط الأوراق؟ خيارات أحلاها مرّ.

بين الاحتجاج والغوغاء

على بعد ساعات من إعادة افتتاح المطار، كل المؤشرات تؤكد أن الهجرة، لكل من استطاع إليها سبيلاً، ستكون جارفة هرباً من جحيم هذا البلد، وهي بالمناسبة الشريحة التي يمكن أن يعوّل عليها لبنان لإعادة النمو المفقود، لا لسبب سوى اليأس والقرف والخوف من المستقبل المظلم.

للمرة الألف، لا حلّ للأزمة الراهنة إلا باستبدال الحكومة القائمة، سريعاً جداً، بأخرى توحي بالثقة بالحدّ الأدنى، للداخل والخارج، وتوقف الانهيار المتسارع وتعيد وصل لبنان بالعالم بعد التشوه الكبير الذي أصاب هذا البلد في ظل هذا العهد وهذه الحكومة في علاقاته مع العالم.. ثم استكمال الانتفاضة للوصول إلى التغيير المطلوب.

لم يعد كافياً أبداً أن يتظاهر المتألمون يوماً للاحتجاج، ويتركوا المجال للغوغاء والطبقة السياسية كل الأوقات… انسداد الأفق يوجبُ سريعاً الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً في السعي للتغيير، تتطلب مشروعاً سياسياً مرناً وواقعياً، وشبكة عربية ودولية داعمة، وصوغ خطة لمرحلة انتقالية قبل إعادة بناء المؤسسات على أسس من الشرعية الشعبية والدستورية، والرؤية التنموية، والعدالة الاجتماعية.