استمع لاذاعتنا

عودة اللبنانيين إلى تقنيات الحرب: معلبات و”غالونات” وأكياس شمع

يعيش اللبنانيون اليوم حالات من الهلع والقلق. وذلك بسبب تزايد مؤشرات تدهور الوضع الاقتصادي، الذي لم يقتصر على ارتفاع صرف الدولار الذي جاوز حدّ الألفيّ ليرة لبنانية، بل طال أصحاب الودائع المصرفية الصغيرة، الذين ترفض المصارف إعطائهم أموالهم، إلاّ بنسب محددة. هذه السياسات كلها أدّت إلى تراجع قدرة الموزعين والعاملين في القطاعات كافة على التزوّد بالمنتجات الجديدة. وذلك إمّا لعدم توفر الأموال اللازمة، أو لارتفاع أسعارها. وقد بدأ المواطن اللبناني تلمّس معالم الأزمة من خلال نقص المواد الغذائية في المراكز التجارية، ما دفعه إلى الإقبال على شراء المواد الغذائية الأساسية وتخزينها للأيام العجاف.

حوادث كثيرة جرت خلال الأيام الماضية، تذكر كثيراً بالحرب الأهلية. فكيف يتدبر اللبنانيون أمورهم في الحروب والأزمات؟

حرب المياه والكهرباء والغاز
على صعيد المياه، كانت بيروت تتغذى من مياه نهر الكلب. أما الضاحية الجنوبية فكانت تتغذى من “عين الدلبة”. وكانت هناك مواعيد محددة تصل فيها المياه إلى المنازل،  ولكن هذا الروتين كانت تخرقه الأعطال في الشبكة، نتيجة المعارك الدائرة. وكان المواطنون ما أن تصلهم المياه حتى يسارعوا إلى تعبئة كل ما تيسر لديهم من أوان منزلية، طناجر وجاطات وصفائح. ومن كان في حمام بيته مغطساً، كان يسارع إلى تعبئته. وعند انقطاع الكهرباء، وعدم وجود موتور لضخ المياه إلى الأسطح، بدأ الناس بوضع خزانات المياه على جنبات الأرصفة وفي مداخل الأبنية. ولعبت نقاط توزيع المياه، حسنة عن أرواح الأموات وما يسمى بـ”السبيل”، دوراً أساسياً في توفير المياه.

على صعيد الإنارة كان الشمع مادة أساسية يجب أن تتوافر بكثرة في المنازل. وكذلك قنديل الكاز، بعدها دخل “اللوكس” الذي يحتاج إلى مادة الغاز كي يشتعل. وتميز اللوكس بأنبوب طويل يخرج من قارورة الغاز. وفي أعلى اللوكس “الشاشة” التي تشبه اللمبة في شكلها، ونسبة إنارتها الأقوى بدرجات من الشمعة أو القنديل.

لذا كان الغاز مادة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها. فهي، إضافة إلى مساهمتها في توفر الإنارة عند المساء، كانت تستعمل للطبخ كما اليوم. لذا كانت مهمة أصحاب الشاحنات الصغيرة، إحضار قوارير الغاز من الشركة الى المناطق، مستبدلين الفارغة في مقابل بدلات إضافية. ولكن غالباً ما كان الغاز عرضة للاختفاء. فكان لدى ربات المنازل خطة بديلة جاهزة لأي طارئ. كنّ يحرضن أفراد العائلة على لمّلمة أكياس الورق أو صناديق الكرتون أينما ذهبوا، والاحتفاظ بها لحين انقطاع الغاز، فتجتمع نساء الحي في ما يسمى “الهباطة”. وهي أبنية غير مكتملة البناء، أو قطعة أرض مهملة. فيقمن بإشعال الكرتون والخشب فيها، بهدف الطبخ أو الخبز. وكن يستعملن الأواني البيضاوية الشكل مثل “مقلى البطاطا”، صاجاً لصنع الخبز.

قتلى الخبز والإعاشة
غالباً ما كانت الأفران هي التي تصنع الخبز وتبيعه. ولكن في حالات شح الطحين، كانت الأفران تعمد إلى توزيع ربطة خبز واحدة للعائلة. وكان التوزيع يبدأ منذ ساعات الصباح الباكرة. فيسارع الناس لحجز دور لهم قبل نفاد كميّة الخبز من الأفران التي كانوا يتجمهرون أمامها، فيستهدفها المتحاربون بالقصف المدفعي، بهدف حصد أكبر عدد من الأرواح.

ولعبت الحصص الغذائية أو “الإعاشة” دوراً بارزاً في تلبية حاجات الناس الأساسية في الحرب. هذه الحصص كانت غالباً ما تقدمها الدول الخليجية. ووحدة الإعاشة كانت صندوقاً يحتوي بعض المواد الغذائية الأساسية: الزيت النباتي، والسمن ومعلبات على أنواعها، والأرز والسكر الحليب والصابون. والأهم هو الشمع. والإعاشة الغنية تحتوي أغطية، كالحرامات والشراشف. وتروي امرأة أنها طالبت موزع الإعاشة بالحرامين والشرشفين، بعدما قرأت الجملة الممهورة على صندوق الإعاشة.

تخزين وزراعة
اليوم يسارع الناس لتخزين ما تيسر. تخبرنا زينة عن التدابير التي اتخذتها  لمواجهة الأزمة المقبلة المفترضة. فهي باشرت بشراء المواد الأساسية كالبرغل والعدس والأرز والطحين والزيت والزعتر والمعلبات على أنواعها. وقامت بتعبئة عدد من غالونات البنزين وخزنتها في المنزل. كذلك قامت بتعبئة عدد من قوارير الغاز. واشترت صاجاً لصنع الخبز. وقامت بتوصيل التمديدات الكهربائية اللازمة للإنارة عبر تقنية ( يو بي أس)، تحسباً لانقطاع اشتراك المولد الكهربائي، لعدم توفر مادة الفيول. ومن المونة البيتية التي خزنتها ذكرت: القاورما والمكدوس واللبنة البلدية المغمسة بزيت الزيتون، وكميات وفيرة من شراب البندورة. ولحفظ هذه المواد توجب عليها شراء ثلاجة جديدة خاصة بتجميد المواد للأزمة، كاللحوم والدجاج والأسماك.

وتقوم زينة بسحب أموالها من المصرف تدريجياً، والاحتفاظ بها في خزنة المنزل.

وهي لم تغفل عن زرع الحشائش، مثل البقدونس والكزبرة والمردكوش، في أوعية خاصة مليئة بالتراب على شرفة منزلها.

على الرغم من الخوف والقلق، هناك ما يحدث. فاليوم فرضت الأزمة الحالية على اللبنانيين العودة إلى زمن الأجداد: زارعة الأرض المهملة منذ سنوات. تربية الحيوانات قرب البيوت في الأرياف.

كثيرون يعتبرون أن ما قبل الأزمة الاقتصادية في نمط العيش، ليس كما بعدها.