استمع لاذاعتنا

فاض الفساد فغرق الأوتوستراد: المجاري لا جهاد العرب وحده

ما زال البعض يستغرب مشاهد الفيضانات في أكثر من منطقة، ويغيب عن بال هؤلاء أنهم على موعد مع الحدث نفسه سنوياً. ذلك أن البلديات والوزارات المعنية بحال الطرق والمجاري المائية، على موعد سنوي مع التلزيمات المخالفة للقوانين، ومع تنفيذ الأشغال بصورة لا تُطابِق المواصفات العلمية. والنتيجة، فيضانات متكررة، ليس آخرها غَرَق أوتوستراد الناعمة – خلدة، واجتياح المياه بيوت المواطنين.

اعتذار وتنصّل
رجال ونساء يخرجون من سياراتهم، يَعبُرون مياهاً يغطي منسوبها ركاب الأرجل. يسأل بعضهم عن مظلاّت اضافية في السيارات المتوقفة وسط الطريق، ليُبعِدوا الأمطار المتساقطة عن رؤوسهم، فيما لا يُبالي آخرون، إذ لا يضر البلل الغريق.

أنهار المياه جرفت معها أنواعاً كثيرة من رواسب، وطرحتها وسط الطريق السريع، أهمها رواسب الصفقات العامة المخالفة للقانون، والتي تَظهَر نتائجها في عدم حسن تنفيذ المشاريع. واللافت، أن الوزراء المعنيين، لا يتوانون عن تقديم الاعتذارات للمواطنين، والبحث عن أعذار لتبرير تقاعسهم وتورّطهم. والأعذار دائماً أقبح من الذنوب، ولا تقترن بالإصلاحات لضمان عدم تكرار الأزمات.

هذا هو حال وزير الأشغال العامة يوسف فنيانوس الذي قدّم اعتذاره من اللبنانيين الذين حجزتهم الفيضانات على الطريق. وردَّ سبب الفيضان إلى “تجمّع المياه فوق الطبقة الموجودة فوق النفايات في مكب الناعمة، والتي تمنع تسرّب مياه الأمطار إلى الداخل”. أيضاً، حمّل فنيانوس المسؤولية للعبّارات التي “وُضِعَت في المجرى الشتوي للمياه، لكي تعبر فوقها الشاحنات التي تمر نحو مطمر الناعمة”. وبرأي الوزير فإن جزءاً من العبّارات أقفِل بسبب الرواسب التي جرفتها المياه، وبذلك، لم تستطع المياه الوصول إلى المجرى الشتوي ومتابعة مسيرها بشكل طبيعي إلى المصب. كما أضيفت المياه الآتية من التجمّع فوق المطمر، إلى المتساقطات التي حملت الرواسب. وفي النتيجة أقفل المجرى وحصل ما حصل. ولم يتوانَ فنيانوس عن إعلان جهوزية وزارته لوضع نفسها تحت طائلة المسؤولية في حال ثبت عليها أي تقصير.

أين جهاد العرب؟
مع كل أزمة تتعلق بالأشغال العامة وتلزيمات الدولة، تتجه الأنظار وأصابع الاتهام إلى الشركات المتعهدة، وهي شركات معروفة بالتزامها المشاريع من الطبقة السياسية بالتحاصص. والشركة المعنية بالتوازي مع فيضان الناعمة، هي شركة “الجهاد للتجارة والمقاولات”، المعروفة باسم “شركة جهاد العرب”، إذ ينفّذ العرب مشروعاً سياحياً على الواجهة البحرية للمنطقة. ويُتهم العرب بأنه ضيَّق مساحة المجرى المائي الذي يفترض به استيعاب المياه الآتية من المرتفعات، وهذا ما سبب الفيضان مؤخراً. لكن وزير الأشغال العامة لم يتطرّق للعرب ومشروعه، وأحال الأمر إلى التحقيقات، فيما أسهب في شرح مسألة العبّارات فوق المجرى الشتوي.

والتحقيقات هي اللعبة المحببة للسلطة. ففي دهاليزها تضيع المسؤوليات وتُطوى الصفحات، والناس لا تقوى على تذكّر كل الملفات والمخالفات. فلدى السلطة الكثير من الإبداعات التي تُثقل أذهان المراقبين. وضمن لعبة التحقيقات، “أمر المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات، قسم المباحث الجنائية في الشرطة القضائية، بمباشرة التحقيقات في الأسباب التي أدت إلى حصول فيضانات وسيول جارفة في الناعمة وخلدة، والتي تسببت بأضرار مادية جسيمة في الممتلكات”.

جهاد العرب ليس وحده المسؤول، وانما يساهم في المسؤولية، لأن مشروعه رَدَمَ قسماً من مجرى المياه بعد أن اعطته وزارة الاشغال “حق استثمار مسطحات بحرية، خلافاً للقانون”، وفق ما تقوله مصادر متابعة للتلزيمات، في حديث لـ”المدن”. وبرغم حيازة التلزيمات على مرسوم من مجلس الوزراء، إلا أن المرسوم يمر عبر قناة وزارة الاشغال.

مسؤولية الدولة
تتراشق الوزارات مسؤولية فشل أي تلزيم، فيما التلزيمات كلها تصب في جعبة الحكومة مجتمعة، ومنها تتوزّع على بعض الوزارات، وعلى رأسها وزارتا الأشغال والطاقة والمياه، وبالتوازي يقع جزء من المسؤولية على البلديات.

وبتوزيع المسؤوليات، على الوزارات والحكومة مجتمعة إيضاح الأسباب المتعلقة بعدم مراقبة الاشغال التي طالت العبّارات التي تحدث عنها فنيانوس، وعلى أي أساس جرى وضعها واستحداث الطريق فوقها، ولماذا لم يؤخذ بالاعتبار تأثيرها على المجرى الشتوي للمياه؟ فهل يُعقَل أن تلاحق الجمعيات الأهلية والصحافة وبعض الشخصيات ذات الاختصاص، خط سير مشاريع الدولة، فيما الوزارات غائبة وإن من باب الاطّلاع والعلم بالشيء؟

أما صيانة المجاري على الطرقات العامة، فهي باب من أبواب الهدر وتحاصص الفساد. فلم يحدث أن تحمّلت وزارة الأشغال مسؤوليتها في هذا المجال. فالفيضانات ليست حدثاً مفاجئاً، وليس مفاجئاً أيضاً عدم تحمل وزارة الاشغال مسؤولياتها في كل الحكومات المتعاقبة.

فيضانات الناعمة لن تكون الأخيرة، وتحديداً في تلك المنطقة لأن “تنفيذ المشاريع هناك جرى خارج الأطر العلمية وبخلاف الخرائط الحقيقية”. لذلك تدعو المصادر إلى مراجعة كل الخرائط المتعلقة بتنفيذ المشاريع بدءاً من مشاريع العبّارات التي تحدث عنها الوزير، وصولاً إلى خرائط مشروع العرب، وتحديداً تلك المتعلقة بالمجرى الشتوي والمساحات الحقيقية له، وتلك التي باتت عليه اليوم.