برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

فجوة بين الأجور ومتطلّبات المعيشة.. وحلول متأخرة "بلا قيمة"!

يتغيَّر الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص ببطء لا يواكب تحرُّك سعر الدولار في السوق، فيفقد قدرته الشرائية وهدف زيادته. على أنّ بطء التصحيح في القطاع الخاص، يقابله شبه انعدام في القطاع العام، بسبب آلية إقرار الزيادات واختلاف طبيعة عمل القطاعين. ويتّحد الموظفون في القطاعين على ضرورة اعتماد حدّ أدنى متحرّك للأجور، يواكب سعر الدولار، لتحافظ الأجور على قدرتها الشرائية.

التعديل بين القطاعين

لم يعد مبلغ 675 ألف ليرة معترفاً به كحد أدنى للأجور في القطاع الخاص. وتغيَّرَ الرقم مراراً، وصولاً إلى 4 مليون و500 ألف ليرة، الذي أقرّته لجنة المؤشر، يوم الجمعة 13 كانون الثاني، بعد اجتماعها في وزارة العمل بمشاركة الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام، كممثّلين عن العمّال وأصحاب العمل. وترافق رفع الحد الأدنى مع زيادة بدل النقل إلى 125 ألف ليرة يومياً. وينتظر الجميع موافقة مجلس شورى الدولة على هذا التعديل، قبل نقل الملف إلى مجلس الوزراء لإصدار مرسوم به، ليصبح نافذاً.

هذا التعديل ينسحب على حجم الاشتراكات المدفوعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إذ ترتبط بمساهمة العمال وأصحاب العمل والدولة. وبزيادة الحد الأدنى للأجور، ترتفع تلك المساهمات، فيحقق الصندوق إيرادات أعلى تمكِّنه من زيادة التغطية الصحية والاستشفائية وتعويضات نهاية الخدمة للمضمونين.

تغيُّر الأرقام لا يُبدِّل مسار الأحداث. فالتغطية الصحية للضمان باتت تقريباً غير مقبولة في المستشفيات الخاصة التي تطلب كلفة الاستشفاء بالدولار أو بالليرة وفق سعر السوق. أما المستشفيات الحكومية، فلا ترفض المرضى، وإنما ليس لديها ما تقدّمه خارج قدراتها المحكومة بالإيرادات الضعيفة بالليرة.
ولأسعار السلع القدرة على تجفيف الرواتب خلال الأسبوع الأوّل من كل شهر. فتبقى الزيادات التي لا ترتبط بتحرك سعر الدولار، عاجزة عن ضمان الأمن الغذائي والصحي للموظّفين.

وهذا الحال مشترك بين موظفي القطاعين الخاص والعام. فتشير النقابية في التيار النقابي الحر، بهية بعلبكي، إلى أن “ما تعطيه الدولة بيدها اليمنى، تخطّط لكيفية سحبه باليسرى، وهو ما حصل بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب”.

وتَجمَع بعلبكي خلال حديث لـ”المدن”، بين معاناة الموظفين في الخدمة وبين المتقاعدين، لأن “ما يُعطى للموظفين والمتقاعدين يكاد يغطّي فقط 10 بالمئة من الاحتياجات، مما يهدّد أمنهم الصحي والغذائي”. وعِوَضَ إيجاد صيغة مناسبة للحل “تلجأ الدولة إلى تسويات ورشاوى تقدّمها لبعض القطاعات على حساب الأخرى لإحداث شرخ بينها، فيسهل التحكّم بها. والدليل هو ما أعطي للقضاة دون غيرهم”.

حدّ أدنى متحرّك للأجور

ما تحاول لجنة المؤشر الوصول إليه عن طريق إيجاد نظرة للأجور تجمع مصلحة الدولة وأصحاب العمل والعمّال، لا يؤيّده الخبير الاقتصادي روي بدارو، الذي يرى في حديث لـ”المدن”، أن تعديل الحد الأدنى للأجور، يكون عبر مقاربة مختلفة عن تلك التي تعتمدها اللجنة حالياً.

وفي جميع الأحوال، ليسَ الممَثَّلون في لجنة المؤشر، هم المرجعية المثلى لإقرار الحدّ الأدنى المناسب. وفي نظر بدارو، إن “لجنة المؤشّر تحوَّلَت إلى بازار بين ما يُسمّى بالهيئات الاقتصادية وما يُسمّى بالاتحاد العمالي العام، فيما الطرفان فاقدان للصلاحية منذ زمن”.

تعديل الحد الأدنى للأجور، “يجب أن يكون عبر اختصاصيين اقتصاديين يحدّدون ما هو المطلوب من الحدّ الأدنى. فهل المطلوب تحقيق قدرة تنافسية، أو الوصول إلى مستوى معيشي معيَّن؟. ما هي السلع الأساسية التي على الحدّ الأدنى شراؤها؟ هل نقرّره ليتلاءم مع مَن بدأ حديثاً في العمل أم مع مَن لديهم سنوات عمل أكثر ولديهم عائلات؟

انطلاقاً من ذلك، “على الحدّ الأدنى أن يكون متحرّكاً. وفي حالة تغيُّر سعر صرف الدولار كما هو حاصل اليوم، على الحد الأدنى أن يواكب هذا التغيُّر، فيُقَرَّر كل آخر شهر. كما يُدفَع الاشتراك للضمان الاجتماعي عن الرواتب والأجور بحسب تحرُّك سعر الدولار، فيستفيد الموظّف ويستفيد الضمان الاجتماعي بالقيمة الفعلية للرواتب والأجور”. أما مَن لا يوافق من الهيئات الاقتصادية على هذا الترتيب “فله أن يُقفِل مؤسسته. فلا يمكن لأحد التذرُّع بعدم القدرة على الدفع، لأن تلك المؤسسات تكسب على حساب الفقراء”.

وعن تعديل الرواتب والأجور في القطاع العام، يؤيّد بدارو مقولة أن الدولة تعطي بيد وتأخذ بالأخرى. أما تصحيح الخلل في هذا القطاع “فهذا بحث مطوَّل”. ويلفت بدارو النظر إلى أنه “يجب إعداد خطة لنقل فائض الموظفين من القطاع العام إلى القطاع الخاص، تدريجياً وخلال مدّة تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات، لأنه لم يعد ممكناً الاستمرار على هذا النحو، فالقطاع العام هو قطاع الحَشو السياسي، وعلى الناس أن تدرك أيضاً أن الدولة ليست بقرة حلوب”.

ما تُقَدّمه مؤشرات القدرة الشرائية والتغيُّر المتصاعد لسعر الدولار في السوق، من معطيات، لا يؤيّده أصحاب العمل ولا تعترف به الدولة. ولذلك، يأتي الحلّ قاصراً عن تغطية الفجوة بين قيمة الرواتب والأجور ومتطلّبات المعيشة. وكلُّ تعديل يُتوافَق عليه، يأتي متأخِّراً زمنياً، وسيبقى بلا قيمة ما لم يتوقَّف تقلُّب سعر الدولار.