استمع لاذاعتنا

لبنان يشيع اليوم شهيد الثورة الوطنية علاء أبو فخر

وصية شهيد “الثورة الوطنية اللبنانية” علاء أديب أبو فخر، لا تحتمل اجتهاداً ولا تأويلاً. هي صادقة بالوجع، شفيفة كبلاغة الحزن. وتلتها والدته، واضحة لا لبس فيها ولا حذر. رنّخَتها بالدمع صارخة “كلن يعني كلن”، فترددت أصداؤها في لبنان كله، ساحات وشوارع، قرى ومدناً ومناطق. رفعت الأم صورة ابنها القتيل ورددت عباراته: “انتفضوا للكرامة وارسموا معالم الغد. ونحن مش قطاعين طرق، نحنا ولاد بيوت، مطلبنا أن نعيش في وطن يحترم شعبه”. أما زوجته فتوجهت إلى اللبنانيين أن انْزلوا إلى الشوارع ولا تتراجعوا ولا تعودوا إلى منازلكم واملأوا الساحات.
في شهادة أبو فخر محطة قلما عاش لبنان مثيلا لها من قبل. فساعة تقرع أجراس الكنائس وتقام مجالس العزاء، تقلق السلطة. وهذا ما حدث منذ اللحظة الأولى، مع إطلاق أول هتاف “هيلا هيلا هيلا هو…”. لم يفتش المعتصمون في “جلد” علاء، ولا عن هويته ليعلموا إلى أي طائفة ينتمي. وهذه سابقة تشي بأن اللبنانيين أكبر من انقساماتهم، وأنهم صوت واحد في مواجهة سلطة اقتسمتهم وتحاصصتهم على قارعة مصالحها منذ عقود ثلاثة وأكثر.الشويفات: غضب وتهدئة
جاء استشهاد أبو فخر عقب اللقاء الإعلامي لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون الأربعاء 12 تشرين الثاني الجاري، فاشتعلت الساحات والتهبت الطرق. ظن علاء حين اتجه من الشويفات إلى خلدة أن سلمية التظاهر والاعتصام لن تعكرها رصاصات استقرت في جسده، بدليل أنه اصطحب معه زوجته ونجله عمر. بعد لحظات من الترقب والانتظار، أفيد عن إصابته إصابات بليغة في الرأس، أمام زوجته وعلى مرأى من نجله ذي الثمانية أعوام، نقل على أثرها إلى “مستشفى كمال جنبلاط” في الشويفات، وكثر المتبرعون بالدم بعد نداءات استغاثة من ناشطين. لكن ما هي إلا لحظات حتى تأكد خبر استشهاده.

وعاشت الشويفات حال اضطراب وغليان وغضب. وكادت الأمور أن تتطور لو لم يحضر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ونجله النائب تيمور إلى المستشفى، داعياً إلى التهدئة وتغليب لغة العقل. وهذا ما ساهم في تخفيف الاحتقان، خصوصاً وأن علاء يشغل موقع أمين سر وكالة داخلية “الاشتراكي” في الشويفات. وهو أيضا عضو مجلس بلدية. استجاب الأهل لجنبلاط، وإن لم يخل الأمر من مواقف غاضبة.

قاعدة الاشتراكي
لا يخفى على أحد أن المغدور ينتمي إلى الحزب التقدمي الاشتراكي. لكن انتماءه لم يكن مقيداً بإملاءات القيادة. فهو وغيره يحلّق في فضاء الشهيد كمال جنبلاط. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن جل المنضوين الدروز في الحراك ينتمون إلى الاشتراكي، أو يمثلون بعض قاعدته الشعبية، فضلا عن المحايدين والمستقلين. وتبعا للخريطة السياسية في الشويفات، ثمة جمهوران: الاشتراكي، والمحسوب على النائب طلال أرسلان. وهذا الفريق لم يشارك في أي حراك انطلاقا من تحالفه مع التيار العوني وحزب الله.

واستشهاد أبو فخر ضاعف حرج جنبلاط وانقسام جمهوره، في لحظة بات فيها الانخراط الجنبلاطي في الثورة غير وارد. وهذا ما أسر به جنبلاط لبعض مسؤوليه، فضلا عن ضغوط غير منفصلة عن طبيعة الصراع السياسي، بينها محاذير متصلة بالعلاقة مع حزب الله.

وكان أبو فخر مشاركاً منذ اليوم الأول في الانتفاضة. وكانت زوجته توزع سندويشات اللبنة على المعتصمين، يوم أقيمت السلسة البشرية على طول الساحل اللبناني.

الخروج على الحزب
وانتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيديو مسجل لشقيق الراحل إيهاب، جاء فيه: “يا أهلنا وأحبابنا ويا ثوار لبنان، علاء استشهد لأجل قضية وطن. هون ما في طابع حزبي لا سلاح ولا مثل ما عم يزعموا. ومنطلب منكم التعقل والتريث، واللي بيحب يشارك بمأتم ودفن علاء الخميس الساعة 1”. وأضاف: “علاء هو شهيد لبنان والوطن وشهيد الأمة، الله يقويكم ويرحم كل الموجودين”.

وأشار الناشط في المجتمع المدني وابن مدينة الشويفات عماد القاضي لـ “المدن” إلى أن علاء أبو فخر خلع عباءة الحزب لينضوي تحت راية “الثورة والوطن”، لافتاً إلى أنه “ترشح قبل الثورة على لائحة المجتمع المدني في الانتخابات البلدية، لينضم إلى المجلس البلدي في بلدية الشويفات، وهو عضو في جمعيات عدة تابعة للمجتمع المدني”.

وأضاف القاضي: “لقد خالف موقف الحزب وانضم إلى لثورة منذ بداياتها والتحق بالساحات مردداً شعاراتها. شارك في سائر التجمعات، خصوصا في ساحة الشهداء وعند مثلث خلدة، حيث استشهد”، وقال: “هو شخصية مسالمة والدليل أنه اصطحب عائلته معه (زوجته وصبيين وبنت) إلى مثلث خلدة. وترك أماً ثكلى وأخوات وأخاً يبكون عليه”. وأشار القاضي إلى أن “الأجواء في الشويفات مشحونة مع دعوات للتهدئة”، لافتاً إلى أن “تكريم الشهيد سيكون يوماً وطنيا باعتباره شهيد الثورة”.

النعي والتشييع
واليوم الخميس يشيع أبو فخر في ساحة الشهداء ويوارى الثرى في الشويفات. ونعاه كل من الحزب التقدمي الاشتراكي، الثورة الوطنية اللبنانية، بلدية الشويفات، عائلة أبو فخر، وعموم أهالي الشويفات.

وتقبل التعازي في قاعة آل أبو فخر في منطقة القبة، يومي الجمعة والسبت المقبلين، من الرابعة بعد الظهر حتى السابعة مساء.

لكن العائلة سجلت تحفظاً على بيان النعي، فعُدل بناء على رغبتهم ورغبة أصدقائه. ونُقل العزاء إلى ساحة الشهداء الساعة السادسة مساء، وفي الواحدة بعد الظهر في مسقط رأسه.

موقف الاشتراكي
وأكد وكيل داخلية الاشتراكي في الشويفات مروان أبي فرج، على “التهدئة واللجوء إلى الدولة والقضاء”، لافتاً إلى أن “الفوضى لا تمثل خيارنا”، معتبراً أن “لا ثورة بلا تضحيات”. ودعا إلى المشاركة في تشييع علاء، معتبراً أنه “شهيد كل لبنان”.

وفيما تشهد الشويفات حالة من الحذر، بعد أجواء التشنج التي سادت ليلاً، خصوصاً وأن القاتل أُوقف، وهو ينتمي للمؤسسة العسكرية. وهذا ما أفضى إلى أن العدالة ستأخذ مجراها. والجميع ينتظر ذلك.