استمع لاذاعتنا

ليلة الغاز الطويلة: الثورة تواجه القمع وتنتصر

أثبتت القوى الأمنية يوم السبت، 14 كانون الأول 2019 أنها قادرة على فئة من اللبنانيين دون سواها. اليوم، أفرغت كل ما تملك من غضب بمجموعة من شابات وشُبان تجمعوا أمام مدخل مجلس النواب، في تظاهرة سلمية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. يوم السبت، ساعات فصلت عن تحركين، الأول عنفي لشباب خندق الغميق عجزت القوى الأمنية عن التعامل معه طبعاً، والثاني سلمي عوضت تلك القوى ما لا تستطيع فعله على جسر الرينغ، فانهالت بالضرب على السلميين أمام مجلس النواب، ساندهم فيها عناصر مدنية خرجت من ساحة النجمة.

فوضى وترهيب
عسكر على مين؟ سؤال ردده المتظاهرون أمام مبنى بلدية بيروت بعد أن رأوا بعينهم كيف تعامل معهم أصحاب البدلات المرقطة. يا عسكر، عسكر على مين؟ سؤال تُجاوب عليه مشاهد الضرب والعنف الممارس أمام ساحة النجمة حصراً. قبل ساعة من الاعتصام الذي دعا إليه الثوار من أجل إيصال مطالبهم إلى مسامع المسؤولين، كانت القوى الأمنية عاجزة عن فعل أي شيء مع شباب خندق الغميق الذين اقتحموا ساحة اللعازارية بحجة الاعتراض على وقفة تضامنية كان قد دعي إليها تضامناً مع خيمة الملتقى التي تمت إزالتها بالقوة، بعد الإشكال المُفتعل مع منظمي ندوة، ادعى المعترضون عليها أن هدفها “الترويج للتطبيع” فيما الواقع أن الندوة كانت في غير مكان تماماً.

كانت القوى الأمنية ومعها الجيش اللبناني قبل ساعة من اعتصام ساحة النجمة، متفرجة على شباب الخندق وهم يُنفذون ما طُلب منهم: فوضى وضرب وحرق وترهيب. السبب: أُقنعوا على ما يبدو بأن خيمة الملتقى تُهدد “المقاومة” وسلاحها وستقود “الصلح مع إسرائيل”. لماذا؟ طبعاً ليس بسبب لا الخيمة ولا الندوة. الخطة: استغلال شُبان متحمسين من أجل اختراق وتخريب ساحات الاعتصام، وقطع الطريق على الدعوة الأهم، أي الاعتصام أمام مجلس النواب تحت شعار “استرداد الساحات” والمطالبة بتغيير جدي، وغير صوري كما هو حاصل اليوم وكما تُخطط له السلطة ابتداء من يوم الإثنين.

قوى الأمن تغرّد
بدأ اليوم الطويل عند الساعة الرابعة بعد الظهر. دعوة لوقفة تضامنية مع خيمة الملتقى عاد الدكتور مكرم رباح وأعلن إلغاءها بعد أن “وصلتهم تهديدات كثيرة، من دون أن تحرك القوى الأمنية ساكناً”، التي وفق المعلومات “رفضت حماية المعتصمين”. عند الرابعة وصل الشُبان من الخندق وهم يهتفون “شيعة شيعة”، ما علاقة الهتاف بمحاربة التطبيع؟ طبعاً لا شيء. فعلياً، أتى الشُبان إلى ساحة اللعازارية لأنهم محقونون. على من؟ على كل شيء. هتفوا “شيعة” وهجموا، فحاولت قوى مكافحة الشغب منعهم، لتبدأ معركة عنيفة شبيهة بما حصل منذ أيام: الشبان يرشقون الحجارة والقوى الأمنية تقف مكبلة ولا تتجرأ على التقدم. كر وفرّ كل الوقت، وقنابل مسيلة للدموع باتجاه جسر الرينغ حيث تجمع الشُبان، الذين ضرموا النيران بالإطارات ودحرجوها تجاه الأمن، مع رمي الحجارة بكثافة ومفرقعات نارية دون أي تقدم فعلي للأمن، إلا على صفحتهم على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر، إذ “بصرامة” قالوا:

“تتعرّض عناصر مكافحة الشغب لاعتداءات ورمي حجارة ومفرقعات نارية من قبل بعض الأشخاص. إن ‎قوى الأمن تطلب وقف هذه الاعتداءات وإلا ستضطر لاتخاذ إجراءات إضافية وأكثر حزماً”!

العنف والهجوم المنظّم
انتهت تغريدة قوى الأمن عن الحزم، الذي لم يظهر طبعاً بوجه شُبان الخندق، الذين انسحبوا إلى داخل “المنطقة”، بعد أن طلب منهم حزب الله وحركة أمل ذلك عبر مُكبرات الصوت. هذا الحزم الغائب على جسر الرينغ، حضر بقوّة أمام مجلس النواب. عند الساعة السادسة بدأ الاعتصام الذي دعا إليه الثوار. هتافات طبيعية ولافتات تطلب حكومة من خارج المنظومة الحاكمة. على المدخل الذي تجمع فيه المتظاهرون، كانت عناصر مدنية تقف إلى جانب قوى مكافحة الشغب ويظهر عليها مدى الحنق من الذي يحصل. اقترب أحدهم من متظاهر ليقول له: “خليك ورا” بصوت عالٍ، ليطلب منه زميله أن يعود إلى خلف قوى الأمن. هنا، بدأت الريبة تتسلل إلى صفوف المتظاهرين الذين توقعوا الأسوأ.

مع مرور الوقت، كبر عدد المتظاهرين واستطاعوا قطع الطريق على مقربة من بلدية بيروت. هتفوا بإسقاط النظام والمحاسبة على جري العادة. اقترب المتظاهرون أكثر من قوى مكافحة الشغب والجيش. علت الأصوات مطالبة برحيل “المسؤولين عن فقرنا”. فجأة يرمي أحدهم زجاجة مياه باتجاه ساحة النجمة، وآخر يرمي مفرقعة لم تنفجر، ليستنفر رجال الأمن بطريقة غريبة ويبدأوا بضرب الناس بالعصي، استتبعوها بهجوم منظم وعنيف لم يوفر أحداً، رجال ونساء، صغار وكبار. تحول المكان في غضون دقائق من اعتصام سلمي إلى ساحة غير سلمية مارست فيها قوى الأمن كل أنواع العنف، متسلحين بالقنابل المسيلة للدموع، فيما بعض العناصر، تكفلت بضرب من استطاعوا اعتقاله بطريقة عنيفة، مستخدمين “الهراوات” التي وجهوها إلى رأس من وقع بين أيديهم. بعض عناصر الجيش سحبت متظاهر إلى داخل ساحة النجمة وتجمهروا فوقه وهم يُبرحونه ضرباً.

العودة إلى الساحة
استدعى الاعتداء الواضح والمتعمد الذي حصل، رد فعل من المتظاهرين الذين بدأوا برشق القوى الأمنية والجيش بالحجارة. ساحة معركة حقيقية، لم يوفر فيها رجال البدلات المرقطة أي نوع من العنف المتعمد إلا واستخدموه، فيما راجمة القنابل المسيلة للدموع تستمر بضرب المتظاهرين. كل أشكال التشبيح مورس أمام البلدية. تشبيح استمرّ لأكثر من ساعتين، لاحق فيها عناصر الأمن المتظاهرين السلميين إلى ساحة الشهداء ثم إلى الصيفي أمام بيت الكتائب. لم يكتفوا بذلك، لاحقوهم حتى مبنى “تاتش” ترافقهم مدرعة تتولى رمي القنابل بشكل عشوائي. هذا العنف أدى إلى إصابات عدة في صفوف المتظاهرين، نُقل العديد منهم على أثرها إلى مستشفيات مجاورة. غالبية الإصابات كانت بسبب الضرب المبرح الذي مورس من قبل عناصر الأمن، فيما قلة كانت جراء حالات الإغماء نتيجة الغاز، بينهم عناصر من الجيش.

فجأة هجموا، وفجأة بعد كل هذا العنف تراجعوا وقرروا أن يتحولوا إلى رجال عاديين يقول لهم الضابط بهدوء “لا تردوا على أي أحد”. في هذه الأثناء، عاد الناس إلى أمام مبنى النهار، هاتفين ضد التشبيح والعهد وكل أركان السلطة. لم يردعهم كل هذا العنف. عادوا إلى حيث ينتمون، إلى الساحة. عادوا إلى مكانهم الطبيعي الذي وبحسب ما كانوا يرددون “لا أحد يستطيع أن يُخرجهم منه مهما سحلوهم، ومهما حاولوا زرع الفتن بينهم وبين بعض من هو مغرر به”. يوم السبت، 14 كانون الأول، عاد الزخم إلى الثورة، عادت الناس إلى الشارع، عادت الثورة.