
انفجار مرفأ بيروت
عكست نتائج المرحلة الأولى من تحقيقات القاضي طارق بيطار في قضية انفجار مرفأ بيروت، والتي شملت جميع الموقوفين، نتائج تفيد بأن هذا الملفّ سيستغرق وقتاً طويلاً، وأن الرهان على ختم التحقيق في غضون أسابيع أو أشهر قليلة كما يحلو للبعض، غير وارد في قاموس بيطار، بالنظر لتشعّبات الملفّ وأبعاده الداخلية والخارجية.
صحيح أن تحقيقات الأسابيع الثلاثة الماضية، التي اقتصرت على استجواب 25 موقوفاً، شكّلت صدمة للمراجع القضائية المتابعة لمجريات القضية، التي عبّرت عن استغرابها كيف أن استجواب شخص واحد يستغرق حوالي سبع ساعات، بخلاف المنهجية التي اتبعها المحقق السابق فادي صوّان، الّا مصادر مواكبة لمسار تحقيقات القاضي طارق بيطار، دعت عبر “صوت بيروت انترناشونال” إلى “التروي وعدم التسرّع في الحكم على أداء الرجل”. وذكّرت بأن بيطار “يتحمّل أمانة التحقيق بأخطر جريمة شهدها لبنان منذ نشأته، وأوقعت هذا الكمّ من القتلى والجرحى، عدا عن تدمير نصف العاصمة والآثار النفسية التي تركتها”.
في الظاهر يمكن للمراقبين وضع علامات استفهام، حول أسباب حرق كلّ هذا الوقت باستجواب أشخاص، سبق أو استجوبوا وإفاداتهم موجودة وواضحة، لكنّ في المضمون يبدو أن بيطار لديه أسبابه، لذلك تؤكد المصادر المتابعة للتحقيق لـ”صوت بيروت انترناشونال” أن “مخاض الملفّ طويل وهناك استراتيجية وضعها القاضي العدلي لن يحيد عنها، ولذلك لن يتأثر بالضغوط السياسية والإعلامية، التي تصوّت عليه تارة من زاوية بطء الاستجوابات وتارة من زاوية الإصرار على إخلاء سبيل الموقوفين أو أغلبهم، وطوراً (وهو الأهمّ)، من باب رغبة قوى سياسية حسم موقفه من ادعاءات سلفه فادي صوّان على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب ووزراء سابقين”.
وعشية التحضير للجولة الثانية من التحقيقات، شددت المصادر المواكبة لإجراءات بيطار، أن الأخير “يتعاطى مع الملفّ، انطلاقاً مما لديه من وثائق وأدلة ومعطيات وبما يخدم مسار العدالة، وليس مراعاة لراغبات القوى السياسية أو الإرادة الشعبية”. وأكدت أن بيطار “كانت لديه الجرأة الكافية لمصارحة أهالي الضحايا بأن التحقيق سيستغرق وقته الكافي، ولا يقبل الضغط عليه أو اتهامه بمحاباة فريق من هنا أو زعيم من هناك”. وقالت “لقد بلغت جرأته حدّ مكاشفة الأهالي، بأن الملاحقة ستطال كلّ متورّط باستيراد نترات الأمونيوم وتخزينها في المرفأ وحمايتها على مدى سبع سنوات، مهما علا شأنه ومهما بلغت حصانته، لكنه في القوت نفسه سيتبع الإجراءات القانونية اللازمة، حتى لا ينزلق في متاهات الاتهام”. وكشفت المصادر نفسها بأن “الادعاء على السياسيين جاء نتاج قرار قضائي، وهو لا يسقط الّا بقرار قضائي معلل، وبعد تحقيق جدّي قد يشمل هؤلاء في مرحلة لاحقة، لكن هذا الاستجواب قد يستدعي مراجعة المجلس النيابي وطلب رفع الحصانة إذا كان المشتبه نائباً أو مسؤولاً يتمتع بحصانة دستورية”.
في قاموس المحقق العدلي لا مجال لحرق المراحل، إذ يصرّ على أن إعطاء الشق الداخلي من التحقيق الوقت الكافي، لتحديد المسؤولين عن التقصير في تخزين النترات في المرفأ، ومعرفة من المستفيد من وضع هذه المواد الخطيرة في المرفق الحيوي، ومن هو صاحب النترات ولأي غرض جرى استيرادها، عدا عن البحث المعمّق عن كيفية شحن هذه المادة من الخارج، ومن هي الشركات المتورطة في الصفقة ومن موّلها ولأي هدف، على حدّ تعبير المصادر التي جددت القول إن “قضية بهذه الصعوبة وبهذه الدقّة تحتاج وقتاً غير قصير”. ودعت إلى “عدم المفاضلة بين التحقيق الذي يجريه القضاء اللبناني، والرغبة في تدويل القضية”. وذكّرت بأن “التحقيق بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري استغرق ما يزيد عن 15، وانتهى الى الاكتفاء بإدانة شخص واحد”. وسألت “هل يعقل أن جريمة بحجم اغتيال رفقي الحريري نفّذها شخص بمفرده؟، وهل كنّا نقبل مثل هذا الحكم او كان صدر عن القضاء اللبناني؟”. ومن هنا ترى المصادر أن “المسؤولية عن زلزال انفجار بيروت لا تتجزّأ، وكل متورّط سينال عقابه على وفق مفهوم العدالة وحكم القانون تنصف الضحايا والمتضررين، وليس بقرارات شعبوية تعمّق المأساة ولا توصل اللبنانيين الى الحقيقة”.