استمع لاذاعتنا

ما هي “القطبة المخفية” وراء قنبلة برّي؟

ماذا وراء “القنبلة” التي فجّرها رئيس مجلس النواب نبيه بري بإعلانه تَقدُّم كتلته النيابية باقتراح قانون معجَّل مكرَّر ينطوي على حلّ مجلس النواب على قاعدة تقصير ولايته (محدَّدة حتى أيار 2018) لتنتهي في 31 كانون الأول المقبل وإجراء انتخابات قبل هذا التاريخ وفق القانون الذي أُقرّ في حزيران الماضي (النسبية الكاملة)؟

سؤالٌ دهم بيروت، مع إطلالة بري في أعقاب اجتماعِ كتلته النيابية ليُخرِج من جيْبه “أرنب” الانتخابات المبكّرة التي كان لوّح بها في الأيام الماضية بتصريحاتٍ قبل أن يترجمها بعد ظهر أمس بكشْفه عن اقتراح القانون الذي سيُدرج في أول جلسة تشريعية تلي التي سيعقدها البرلمان اليوم وغداً.

وما جعل مفاجأة رئيس البرلمان تكتسب أبعاداً استثنائية أنها جاءتْ “عكس سيْر” المناخ الايجابي الذي عكستْه جلسة مجلس الوزراء قبل أقلّ من 24 ساعة وتحديداً لجهة إقرار اعتماد البطاقة البيومترية (اي تطوير بطاقة الهوية لتصبح بيومترية عوض اعتماد البطاقة الخاصة الانتخابية الممغنطة) وآلية التسجيل الالكتروني للبنانيين المغتربين الراغبين في الاقتراع، الأمر الذي اعتُبر بمثابة وضْع انتخابات 2018 نهائياً على السكة (بعدما كانت الحكومة شكّلت هيئة الإشراف على الانتخابات في الجلسة السابقة) بعد إشاراتِ تَردُّد كانت أطلّتْ برأسها من بوابة بعض القضايا اللوجستية التي أطلقتْ تجاذباً سياسياً ارتسمَت من خلف خطوطِه معادلة أرساها “الثنائي الشيعي”، بري و”حزب الله”، ومعهما “التيار الوطني الحر” (حزب الرئيس ميشال عون) عنوانها “لا بطاقة ممغنطة = انتخابات مبكّرة”.

وسارعتْ دوائر سياسية إلى “التحري” عن خلفيات “حركة” برّي المباغتة، هو الذي يوصف بأنه “لاعب البلياردو” الماهر الذي يصوّب في اتجاهٍ ليصيب آخر.

وقد برزتْ في هذا السياق مقاربةٌ قرأتْ في اندفاعة بري رفعاً للسقف عبر رمي كرة الانتخابات المبكرة لاصطياد “الهدف الذهبي” المتمثّل في انتزاع مبدأ التسجيل المسبق للراغبين بالاقتراع في مناطق سكنهم وليس في مكان قيدهم، وهو ما يصرّ عليه “حزب الله” ورئيس البرلمان الذي كان بلغ قبل أيام حدّ التلويح “لن أقبل بإلغاء التسجيل المسبق حتى لو طارت الانتخابات برمّتها”.

وفي تقدير هذه الدوائر ان بري و”حزب الله” يريدان من التسجيل المُسْبَق فرْض “رقابة مسبقة” على الكتلة الشيعية الناخبة وإبقاء “المتفلّتين” من دائرة نفوذهما “تحت السيطرة”، إذ إن ترْك مسألة الاقتراع في مكان السكَن بلا ضوابط من شأنه فتْح الباب أمام مفاجآتٍ غير محسوبة داخل بيئته وبيئة حلفائه.

وتلفت الدوائر نفسها الى أن خطوة رئيس البرلمان هي في وجه رئيس الجمهورية ميشال عون وحزبه (التيار الوطني الحرّ) بقدر ما هي بوجه رئيس الحكومة سعد الحريري وحزبه (تيار المستقبل)، وهما اللذان يشكّلان “جبهة رفْض” للتسجيل المسبق، لافتة الى ان بري “البارِع” في حشْر اللاعبين الآخرين سيسعى مع “حزب الله” الى إطلاق لعبة “عضّ أصابع” قد تتعدّد “ساحاتها” السياسية، في محاولةٍ لتكريس مكسب استراتيجي للثنائي الشيعي.

وذكّرت هذه الدوائر بأن التسوية الرئاسية التي تقترب من دخول عامها الثاني ارتكزت في شقّها الأول على انتخاب العماد عون رئيساً ولكن نصابها الذي كان بدأ بإقرار قانون انتخاب جديد يقوم على النسبية الكاملة لا يكتمل بالنسبة الى “حزب الله” إلا بإجراء الانتخابات المقبلة باعتبار انها “مفتاح” الإمساك الرسمي بمَفاصل الحكم في لبنان وتتويج مسار تطويع الواقع المحلي لخدمة أجندته الاقليمية.

وتلفت الى أن هذا المسار كان انطلقَ تحت سقف التسوية السياسية مستفيداً من عدم وجود “بدائل” لخصوم “حزب الله” غير القادرين على الخروج من “عباءتها” في ظل موازين القوى في المنطقة التي تصبّ لمصلحة المحور الإيراني حالياً، والذين يعتقد الحزب أن بإمكانه استنزافهم في الطريق الى الاستحقاق الانتخابي من خلال إفقادهم أدوات “شدّ العصَب” في بيئتهم ومحاصرتهم بملفاتٍ تحرجهم داخلها مثل موضوع التحقيق في أحداث عرسال 2014 واعتماد سياسة “القضم التدريجي” في ما خصّ التطبيع مع النظام السوري رغم محاولة الرئيس الحريري إقامة نوعٍ من “التوازن الاستباقي” مع الوقائع المرتقبة في الأزمة السورية من خلال استدراج اهتمام روسي بالوضع اللبناني علّه يشكّل دور “المَكابح” الدولية في موازاة الاندفاعة الإيرانية لإلحاق لبنان بـ “محور الممانعة”.

وحسب هذه الدوائر، فإن “الهبّة الباردة” التي لفحت المشهد السياسي بعد جلسة الحكومة ليل الأحد الماضي تبددتْ سريعاً، وسط توقعاتٍ بمواجهة سياسية في ظلّ “الود المفقود” بين بري وعون وحزبه بالدرجة الأولى وصعوبة “انفصال” الحريري عن علاقته الراسخة مع رئيس الجمهورية، علماً ان أي انتخابات مبكّرة تستلزم حلّ البرلمان وتحتاج الى أكثرية يصعب توفيرها لأنها تتطلّب نصاباً سياسياً غير موجود.

وكان بري أعلن بعد اجتماع كتلته “حيثيات” اقتراح القانون لتقصير ولاية البرلمان حتى نهاية 2017، قائلاً “إننا نصرّ على التسجيل المسبق تسهيلاً لقيام الوزارة المعنية بموضوع الانتخابات الّتي تجد صعوبة كبيرة الآن في البطاقات البيومترية أو في موضوع الأوقات”، مشدّداً على انه في موضوع البطاقة “التي تُعتبر واجباً قانونياً، على وزارة الداخلية تصدير معدّل مليون بطاقة كلّ شهر، ونرى في هذا الأمر صعوبة بالغة إن لم نقل استحالة، ولذلك وخوفاً من أي تمديد طارئ يوضع المجلس النيابي أمامه، تقدّمت الكتلة باقتراح قانون معجل مكرّر ينص على انه تنتهي ولاية مجلس النواب الحالي في نهاية العام الحالي، على أن تجري الانتخابات (بلا البطاقة البيومترية ولا امكان الاقتراع في مكان السكن) قبل هذا التاريخ وفق الأحكام المنصوص عليها في القانون، بعد تعديل المهل في الإجراءات التنفيذية بما يتلاءم مع هذا التعديل”.

 

المصدر الراي

 

ليندا عازار