محاولات حكوميّة – مصرفيّة فاشلة… لطمس الفشل

أمس الاول، أعلنت الحكومة عن امتناعها عن سداد دينها الخارجي البالغ 30 مليار دولار من دون التفاوض مسبقاً مع دائنيها ولا حتى وضع خطة مالية واضحة، ومن دون حدّ أدنى من الاحترام للشعب الرازح تحت مخاطر الفقر والجوع والامراض، والذي كان يستحق مؤتمراً صحافياً لفهم ما يحصل في الكواليس.

 

ترافق ذلك مع إصدار مصرف لبنان تعميمه رقم 547 الذي يتيح للمصارف والمؤسسات المالية بأن تمنح، وعلى مسؤوليتها الخاصة، قروضاً استثنائية لعملائها المتعثّرين خلال الاشهر الثلاثة المقبلة، بدلاً من تأجيل هذه الاستحقاقات بضعة أشهر ريثما يهدأ العالم من انشغاله بالوباء الكوروني.

الحكومة عينها أقامت مؤتمراً صحافياً لجمعية المصارف أمس على خلفية قرارها بالتبرّع بـ6 ملايين دولار لمكافحة “كوفيد19″وشراء المستلزمات الطبية الضرورية للفترة الراهنة. من وجهة نظر الحكومة ربما يفوق الحدث الاخير في اهميته الاعلان عن وقف التسديد، ما استوجب اجتماعاً مع رئيس الحكومة على عكس الحدث الاول حيث اكتفت وزارة المال وباسم الحكومة مجتمعة، بالامتناع عن الدفع وابلاغ الدائنين بـ”بيان” نُشر على موقع الوزارة.

قد تبدو الاحداث الثلاثة غير مترابطة في الظاهر لكنها في طيّاتها تحمل نهج دولة متخلّفة “أخلاقياً” تجاه شعبها الجائع والمكبّل. وفي وقت تسعى فيه كلّ دول العالم الى تقديم رزمات مساعدات مالية لشعوبها وتحفيزات للشركات، تقتصر تدابير السلطة على جمع التبرعات ممّن أوصل البلاد الى حالة الافلاس، أو تقديم سلة جديدة من القروض لتتمثّل المعالجة بتسديد الديون من خلال ديون أخرى جديدة من دول، كحلّ جذري للموظفين الذين سُرّحوا من عملهم منذ ما قبل الازمة الكورونية ولا حتى للذين باتوا يتقاضون نصف راتب.

بموازاة كلّ ذلك، تداولت الليرة بسعر لامس لـ 2800 تقريباً، رغم الأسقف التي كانت قد وضعتها السلطات المختصة عند الـ2000. وهو ما يؤكد أنّ كلّ التدابير التي تتخذها السلطتين النقدية والتنفيذية ستفشل، طالما كان هناك زيادة في الطلب ونقص في العرض على الدولار الذي بات نادراً.

“المركزي” يلعب على المصارف

ولمن لم تتسنّ له القراءة بين سطور التعميم فهو كما وصفه أحد الاقتصاديين كناية عن لعبة محاسبتيّة، فالمصارف تملك أصولاً وهي موجودة لدى المركزي بمثابة ديون عليه لصالح المصارف التجارية، علماً أنّ هذه الموجودات مدرجة من ضمن ميزانية المصارف. عمليّاً، يشير التعميم الى أن المركزي يسعى الى إقراض المصارف من أموالها الخاصة، وبذلك يشطب ديونه المترتبة لصالحها. من شأن خطوة مماثلة أن تُفقد المصارف ما تبقى لديها من موجودات حتى ولو كانت بغالبيتها “مُبخّرة”.

ولربما يمكن اختصار الايجابية الوحيدة للتعميم بتقليص نسبة الديون الهالكة والمشكوك في تحصيلها وتأمين سيولة خجولة للشركات والتي أقفل العديد منها بفعل التدابير الاستنسابية للمصارف. باختصار لا يعالج التعميم الاخير مشكلة ذوي الدخل المحدود ولا أولئك الذين باتوا عاطلين عن العمل بفعلة الازمة المالية المستمرة منذ منتصف العام 2019.

صندوق النقد… عنوان الخلاص

أما من جهة ثانية، واذا كانت الحكومة لا تزال تأمل بتلقي مساعدات دولية تخرجها من جحرها كما جرت العادة خلال الاعوام الخالية، فقد آن الاوان لتقتنع أن ذلك لن يتحقق ولم يعد بالتالي أمامها من خيار الا صندوق النقد وذلك ببساطة، بعدما اضطرت الدول كافة لترسيخ كل امكانياتها ومواردها لمحاربة فيروس “كوفيد19”.

عليه، وازاء كل ما يحصل، لم يعد من الممكن فصل لبنان عن الازمة المالية المرتقبة عالمياً بعدما تسبب “كوفيد 19″ بالكثير من الصدمات العكسية أنتجت مزيداً من الإبطاء في نسب النمو. ذلك يعني باختصار أنّ الدول التي كان من الممكن أن تساعد لبنان من ضمن هبات أو قروض مشروطة بالكاد ستتمكن من تخطي أزماتها.

في هذا الاطار يشير التقرير الاخير الصادر عن” KPMG Economics” وهي شركة استشارية بريطانية تقدم النصائح والتحليلات المتخصصة للشركات العالمية والهيئات الحكومية والسلطات التنظيمية، الى أن كل اقتصادات العالم تواجه أزمة توسع ديونها وبسرعة قياسية ما يزيد من المخاطر المرتقبة في الاسواق المالية، وهو ما يؤدي الى ارتفاع تكاليف الاقتراض الذي يؤدي إلى حلقة مفرغة من الديون المتخلّفة تماماً، كما حصل العام 2008 إبّان الازمة المالية العالمية.

يعود خطر الركود العالمي المرتقب خلال العام الجاري الى قيام الدول بإغلاق نشاطها الاقتصادي للحد من انتشار الـ COVID-19 الذي يعتبر فتاكاً ليس فقط صحّياً ولكن ايضاً اقتصادياً، بعد تسببه بسلسلة من الصدمات: صدمة على العرض، وصدمة على الطلب، وصدمة أخرى على مختلف الاسواق أيضاً. وهكذا، ونظراً لتقليص الإنتاج في جميع أنحاء العالم، لن يكون لدى الشركات المداخيل اللازمة للاستمرار بعدما أدى تفشي الفيروس إلى تعطيل سلاسل التوريد الصناعية وقلص بشدة الطلب على الطاقة والسلع. وما كان في السابق ركوداً في التصنيع بات ايضاً يطاول قطاع الخدمات.

كلّ هذه الاسباب دفعت بالحكومات والبنوك المركزية الى خفض الفوائد الى 0% كما والى تقديم مشاريع لدعم القروض ورفع نسب الاعفاءات الضريبية، والأهم تقديم فترات سماح للشركات المتوسطة والصغيرة الحجم “SME” والافراد المتعثرين من ضمن سلة من المبادرات، وهي في الوقت عينه تضخّ مليارات الدولارات في الاقتصاد وهو ما يعجز لبنان عن تقديمه ليس فقط لافتقاره الى الموارد بل انما الى أبسط المكوّنات التي تبني “دولة”.

المصدر نداء الوطن
الكاتب إيفون أنور صعيبي
شاهد أيضاً