مليارات “سيدر” قد لا تكفي لتجنب أزمة في لبنان

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

كان يمكن للحكومة اللبنانية أن توفر 17 مليار دولار لو أنها أوقفت الهدر في مؤسسة كهرباء لبنان قبل سبع سنوات فقط. لكنها اختارت، بدلا من ذلك، أن تطلب هذا الرقم الضخم من 51 دولة وجهة مانحة في مؤتمر “سيدر”، الذي انعقد في باريس الجمعة.

جمعت الحكومة اللبنانية في #مؤتمر_ سيدر تعهدات بقروض من المؤسسات الدولية والدول المانحة بنحو 10.2 مليار دولار على مدى سبع سنوات مقبلة، إضافة إلى تعهدات بمِنَح لدعم فوائد القروض بقيمة 860 مليون دولار. فهل يكفي ذلك لتفادي أزمة مالية تبدو وشيكة في بلد يرزح تحت ثالث أكبر عبء مديونية عامة في العالم؟ السطور التالية توضح ما الذي ستغيره مليارات المؤتمر.

1- لماذا سعى #لبنان لعقد “سيدر”؟

يواجه لبنان معضلتان: مالية واقتصادية، تتمثلان بمزيج من ارتفاع الدين العام وضعف النمو الاقتصادي.

في الشق المالي، أدى عقدان من الهدر الكبير في الإنفاق الحكومي في ظل واحد من أعلى معدلات الفساد عالميا، إلى ارتفاع الدين العام (بحسب بيانات وزارة المالية) إلى 79.5 مليار دولار بنهاية العام الماضي، ما يعادل 151 % من الناتج المحلي الإجمالي. وترافق ذلك مع توسع كبير في الإنفاق الحكومي، مع ارتفاع فاتورة الأجور في القطاع العام بنحو مليار دولار سنويا إثر إقرار “سلسلة الرتب والرواتب” العام الماضي، ودخول 26 ألف موظف جديد إلى الحكومة خلال العامين الماضي.

ولسوء حظ لبنان، طرأت مستجدات عدة أخيرا جعلت أزمة المديونية ضاغطة أكثر من أي وقت مضى. أهم هذه المستجدات التراجع الحاد لتدفق العملة الصعبة إلى لبنان ووقوع ميزان المدفوعات في العجز، ما أدى عمليا إلى ضعف نمو الودائع المصرفية إلى حدٍ لا يكفي لاستمرار البنوك اللبنانية بإقراض الحكومة لتمويل نفقاتها (يحتاج لبنان لنمو الودائع بسبعة إلى 8%، سنويا على الأقل، في حين كانت نسبة نموها العام الماضي 3.6 %، تقريبا). وحاول مصرف لبنان (البنك المركزي) إيجاد حلول مؤقتة لهذه المشكلة من خلال هندسات مالية لاستبدال جزء من سندات الدين الحكومي بالعملة المحلية إلى سندات بالدولار، وقد عززت هذه العملية احتياطات مصرف لبنان بنحو 12 مليار دولار، لكنها لم توفر حلا مستداما.

وتزامن ذلك مع اضطرار #مصرف_لبنان لرفع الفائدة استجابة للتطورات السياسية المحلية وتوالي قرارات مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي برفع الفائدة، نظرا لارتباط سعر صرف الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي. ومع ارتفاع الفائدة اللبنانية، دخلت خدمة الدين اللبناني في دورة من التسارع تعجز موارد الحكومة عن مواكبتها.

في الوقت نفسه، كانت المعضلة الاقتصادية تتفاقم هي الأخرى، مع تراجع النمو الاقتصادي إلى حدود 1%، والترهّل الشديد للبنية التحتية، في ظل التقنين الشديد للتيار الكهربائي، وتخلف شبكة الطرق والمواصلات العامة، وغياب خدمات الصرف الصحي وانقطاع المياه عن ربع الأسر اللبنانية على الأقل.

أدى تزامن هاتين المعضلتين إلى ضياع الأولويات الحكومية بين ضبط النفقات للجم نمو الدين العام من جهة، أو زيادة الإنفاق الاستثماري في البنية التحتية لدعم النمو الاقتصادي. وكلاهما ملح وعاجل.

كان الحل باللجوء إلى المانحين لتمويل الاستثمار في البنى التحتية بفوائد مدعومة لا يمكن الحصول عليها بشروط السوق.

2- ما الذي حصل عليه لبنان في “سيدر”؟

قدمت الحكومة اللبنانية امام المانحين خطة من أربع ركائز، أولها برنامج للاستثمار في البنى التحتية بقيمة 17.2 مليار دولار، يمتد تمويله على مرحلتين تنتهيان في العام 2025. وثانيها إصلاح المالية العامة لخفض العجز من 10 % من الناتج المحلي إلى 5 % خلال خمس سنوات، وثالثها التعهد بإصلاح القطاع العام ومكافحة الفساد فيه، ورابعها تطوير استراتيجية لتنويع القطاعات الاقتصادية والخدمية (يُعمل عليها حاليا مع “ماكينزي”).

حصل لبنان من خلال المؤتمر على تعهدات بقروض تصل إلى 10.2 مليار دولار، معظمها قروض ميسرة، إضافة إلى هبات بقيمة 860 مليون دولار، ستصب بمعظمها في صندوق لدعم فوائد القروض التي سيحصل عليها لبنان. وجدير بالذكر أن هذه القروض تمتد على فترة سبع سنوات، وبعضها رهن بشروط معينة، أو بإثبات جدوى المشاريع المقدمة.

تتمثل أهمية تلك القروض بأنها توفر موارد رديفة لتمويل الإنفاق الاستثماري، بفوائد ميسرة، أي بتكلفة أقل لخدمة تلك الديون، لكن ذلك لا يعني أنها ليست قروضا، ولا ترتّب أعباء لخدمتها.

وللرهان اللبناني على مليارات “سيدر” شقان:
• يراهن مصرف لبنان على القروض التي سيوفرها المؤتمر لإعادة ضخ العملة الصعبة في البلاد، وبالتالي تخفيف الضغوط على احتياطياته، وعدم تهديد الاستقرار النقدي.
• تراهن الحكومة على أن المشاريع الممولة ستدفع عجلة النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل، ما يؤدي إلى خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي.

3- المعضلات التي لن يحلها “سيدر”
أخطر ما في بيان الحكومة اللبنانية أن السيناريو الأكثر تفاؤلا لديها لا يتوقع انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي، فكيف إذا لم يتحقق هذا السيناريو، خصوصا مع تصاعد الفائدة؟

هنا لا بد من الإشارة إلى فارق جوهري بين مؤتمر “سيدر” ومؤتمرات “باريس 1 و2 و3″، وهو أن المؤتمرات السابقة كانت توفر تمويلا مباشرا منخفض التكلفة، لاستبدال ديون ذات تكلفة مرتفعة، وبالتالي لخفض تكلفة خدمة الدين. اما المؤتمر الأخير، فمعظم تمويلاته وهباته مرتبطة بالمشاريع، ولذلك فهي لن تحل مشكلة الديون القائمة، والتي وصلت تكلفة خدمتها فقط إلى خمسة مليارات دولار العام الماضي.

لذلك، فإن المعضلة المالية التي لن يحلها “سيدر” هي أن على الحكومة تمويل استحقاقات دين ضخمة وعجز هائل في العامين المقبلين، في ظل معدلات فائدة متصاعدة. فبحسب بيانات وزارة المالية، تواجه الخزينة اللبنانية استحقاقات سندات بالعملة الأجنبية (يوروبوندز) بقيمة 8.4 مليار دولار في العامين 2008 و2009، سيضاف إليها عجز العام الحالي المقدر بنحو 5.3 مليار دولار، وعجزٌ لا يقل عنه حجما العام المقبل. هذا عدا استحقاقات السندات بالليرة اللبنانية. في المقابل، لدى حساب الخزينة في مصرف لبنان مبلغ 3.3 مليار دولار حاليا. هذا يعني أن على الحكومة أن تطرق باب البنوك المحلية والدولية بقوة خلال العامين الحالي والمقبل.

والوجه الآخر لهذه المعضلة، أن الحكومة تعوّل على القطاع الخاص لتوفير تمويل بسبعة مليارات دولار لمشاريع البنى التحتية بالشراكة مع القطاع العام. وهو ما يبدو صعبا في ظل ضعف نمو الودائع ومزاحمة القطاع العام على موارد التمويل.

نقطة الضعف الأوضح في خطة الحكومة المقدمة أمام مؤتمر “سيدر”، أنها تقدم تعهدا فارغا من المضمون بخفض عجز الميزانية من دون أي التزامات محددة، سواء من جهة زيادة الإيرادات الضريبية أو من جهة خفض الإنفاق، مع العلم أن التجربة الأخيرة لتخفيض الإنفاق في ميزانية 2018 كشفت عن عجز كامل للطبقة السياسية عن التوافق على بنود الخفض، فضلا عن مواجهة الحجم الهائل للهدر والتهرب الضريبي والجمركي.

كل ذلك يرجح أنه مع استمرار النمط الحالي للإنفاق، والعجز عن زيادة الإيرادات، وتصاعد معدلات الفائدة، ثمة احتمال جدي لخروج خدمة الدين عن السيطرة، وتكرار السيناريو اليوناني في أمد ليس ببعيد.

 

المصدر

دبي – عبادة اللدن
Loading...

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً