استمع لاذاعتنا

منسوب القمع والبطش الممنهج يتزايد: فلتسقط الدولة الأمنية

نزل الناس إلى الشارع منذ 17 تشرين الأول، للتعبير عن رأيهم الرافض لبقاء الطبقة الحاكمة، ولدفعها إلى ترك الحكم وإفساح المجال أمام من يستطيع ولديه الرغبة في العمل العام وخدمتهم، عكس ما هو حاصل اليوم من استغلال للمناصب العامة، بهدف السرقة وتكوين الثروات وتوسيع رقعة سيطرة الأحزاب السياسية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. هذا الفعل، يعني أن الناس قررت مواجهة السلطة، التي بطبيعة الحال تسيطر على مقدرات الدولة، ومنها، الأمنية، وهي مع الوقت بدأت تتحول إلى وسيلة للدفاع عن الجالسين على الكراسي منذ عشرات السنين، ويريدون البقاء مهما كلّف الأمر.

بدايات الترهيب
في اليوم الأول من التحركات كانت المواجهة الأولى مع الأمن، وفي اليوم الثاني تكررت من جديد، حين استخدم فيها رجال مكافحة الشغب العنف المفرط لفض المتظاهرين العزل، الذين كانوا يعبرون عن غضبهم من سلطة جوّعتهم، قهرتهم، قتلتهم. وهي اليوم تشاهدهم ينتحرون أمام أطفالهم، يموتون على أبواب المستشفيات، تقتلهم رصاصات طائشة، تذلهم القوانين التي صارت تُفسر على قياس زعيم من هنا أو نائب من هناك، لا بل حتى على قياس رجل أعمال مثلاً، قد يكون على الأغلب شريك هذه الطبقة الحاكمة في نهب مال الناس.

الملفت هو أن القوى الأمنية قررت في لحظة “سياسية” السماح للناس أن تتظاهر وتقطع الطرقات كواحدة من أساليب التعبير، علماً أن هذا الفعل، أي قطع الطرق، لم يكن مصحوباً في غالب الأحيان وتحديداً في العاصمة بيروت بحرق الإطارات. إذ إن الأخير كان يُعتبر فعلاً عُنفياً، وهو في الواقع ليس كذلك. لكن السلطة تتذرع به من أجل فض التظاهر. السلطة لم تكن تستخدم الأساليب العنفية إلا في حالات نادرة، حتى تغيَّر لديها المعطى السياسي واتفق جميع أطرافها على وجوب إنهاء كل مظهر احتجاجي، خصوصاً قطع الطرق، الذي على ما يبدو كان الأكثر إيلاماً لها ولمن على يمينها. قررت أنها لا تريد أي مظهر احتجاجي يؤذي أو يؤثر على استمراريتها. صار يحق للقوى الأمنية والجيش أن يمارسوا شتى أنواع القمع من أجل ترهيب الناس، الذين لم يحيدوا عن سلميّتهم، ولم يحملوا السلاح الذي لا يؤمنون به أصلاً كوسيلة للنهوض بوطنهم.

الاعتقالات واستخدام القوة
منذ حوالى الأسبوعين، انقلبت السلطة على نفسها، وقالت إنها لن تسمح بقطع الطرق. ثم انطلقت لفض الاعتصامات والتظاهرات بأساليب في أحيان كثيرة كانت موازية لما اقترفه مجموعة من الشبيحة مرة على الرينغ وأخرى في ساحة الشهداء ورياض الصلح. في الناعمة كان العنف هو الحاضر. الجيش لا يريد أن يُقفل طريق الجنوب. هذا أيضاً ما لا يريده الحزب الحاكم. في سعدنايل أكثر من مرة، فعل الجيش ما فعله في جل الديب وأكثر: هاجم المعتصمين واعتقلهم. وكان من بينهم من هو من ذوي الاحتياجات الخاصة. في سعدنايل أيضاً، الجيش يرمي أحد المتظاهرين السلميين من علوّ، لو سقط على الحديد المتواجد في الأسفل لكان اليوم مصاباً بإعاقة دائمة أو محملاً في كفن لينضم إلى شهيد قرر أحد المرافقين لأحد الضباط أن ينهي حياته ببرودة تامة، لأنه يمارس حقه الديموقراطي. البطش والعنف المبالغ به ظهر جلياً على أجساد المعتقلين الذين خرجوا من مراكز الاحتجاز. والأمثلة كثيرة، لا تبدأ بخلدون جابر وسامر مازح وعلي بصل ودانا حمود ولا تنتهي بمعتقلي سعدنايل وجل الديب والناعمة وصيدا وغيرها. في طرابلس هناك معتقلين تحت السن القانوني، وهناك أيضاً من تجرأ على الدخول إلى المدارس والاعتداء على تلامذة قاصرين.

لماذا تقوم قوى مكافحة الشغب بفض اعتصام بالقوة على جسر الرينغ، بعد منتصف الليل، وفي وقت لم يعد للجسر أي أهمية لناحية حرية حركة الناس، كما يقول من يدافع عن توجه فتح الطرق من قبل عناصر الأمن؟ لا شيء. أساساً الجسر ليس بهذه النقطة الاستراتيجية، يستطيع الناس التحرك في بيروت كيفما شاؤوا مستخدمين طرقاً أخرى تؤدي الغرض ذاته. على الرينغ لم يطلب رجال قوى مكافحة الشغب من الناس الخروج من الشارع، هم تراجعوا وتحضروا ثم هاجموا المعتصمين مستخدمين العصي والقنابل المسيلة للدموع ومتنقلين خلفهم في الشوارع الضيقة حول الجسر ليبرحوهم ضرباً. فيما كان الجيش يسد الطرق الأخرى كي لا يعطي المتظاهرين فرصة ليلتقطوا أنفاسهم أو ينقلوا اعتصامهم إلى الخلف قليلاً.

التحول إلى العنف
إذاً، ليس المطلوب فقط فتح الطرقات، لأنها تمنع الناس من التنقل. المطلوب وبكل بساطة منع كل ما من شأنه أن يُظهر حنق الناس من حكامها. المطلوب أن تبقى الناس أسيرة السلطة، وأن لا تُعبر عما تريده. أي مظهر احتجاجي هو اليوم مصدر تهديد لكل هؤلاء، من أعلى الهرم إلى أسفله. أي فعل اعتراض هو تهمة، ستهرول هذه السلطة عبر أذرعها الأمنية المختلفة لتنقض عليه، وتمنعه وتحاربه، لأن في كل واحد يقف في شارع، يرفع علماً أو يحمل يافطة، تهديد فعلي لكل من هو في الحكم.

تقول قوى الأمن الداخلي إن “قطع الطرقات يعتبر مخالفًا للقانون، بحيث تنتهي حرية المواطن عند التعدي على حرية الآخرين”. هذا ما خرجت به المؤسسة الأمنية في معرض تبريرها لأسلوبها في فض الاعتصامات. هذا مقدمة أو بالأحرى تبرير للتحوّل إلى دولة أمنية، أصبحنا جميعاً بالفعل والممارسة في وسطها، وكل من يقف في الشارع اليوم وغداً حتى سقوطهم جميعاً هو مصدر تهديد جدي. وهذا التهديد لن توقفه العصي ولا القنابل المسيلة للدموع. هذا التهديد هو السبيل الوحيد للوصول إلى نظام جديد، سيولد مهما كان الثمن.