استمع لاذاعتنا

منصة جوّالة للانتفاضة الطرابلسية: الثورة في كل مكان

منذ 17 تشرين الأول لا يهدأ ثوّار طرابلس، فيبتكرون أفكاراً جديدة تضمن استمرار انتفاضتهم الشعبية وشعارها “كلن يعني كلن”. ومع تزايد أيام الثورة، بدا واضحًا أنّ وعيًا جماعيًا يترسخ لتوسيع مساحة الانتفاضة جغرافياً، فلا تنحصر في ساحةٍ أو مساحةٍ محددة. فكلّ الساحات والأحياء والأسواق الطرابلسية، بأهلها الذين يشكلون عصب ديمومتها، تصلح لإحياء نشاطات الانتفاضة.

ومنذ حيازة طرابلس لقب “عروس الثورة”، رأى كثيرون من أبنائها أنه يرتِّب عليهم مسؤولية حمل مدينتهم هذا اللقب. وعلى الرغم من أن حيّز المبادرات كان مفتوحاً فعالًا في طرابلس ما قبل الثورة، فإن الثورة عززت شبكة العمل الاجتماعي ومتنتها، ونزعت عنها “فيتو” المال السياسي – الاحتكاري إلى حدٍّ بعيد. ونجمت عن ذلك جرأة في رفع الصوت وسقف المطالب.

صوت الانتفاضة الجوال
ومنذ بدء بعض المشاكل حول منصة الانتفاضة على سطح مبنى الغندور العملاق في ساحة النور، والتي سيطرت عليها مجموعة دارت حولها علامات استفهام، نشطت حركة المبادرات وأفكارها، لإيجاد بدائل، أو دور مكمل للثائرين والثائرات في طرابلس.

وهكذا ولدت فكرة المنصة الجوالة، فما هي هذه المنصة؟

يوم الأربعاء 20 تشرين الثاني الجاري، كانت الانطلاقة الأولى لهذه المنصة: سيارة – رافعة لنقل السيارات المعطلة. وقد أُعيد تصميمها لتكون مناسبة لغرض التجول بها في المدينة. على هذه المنصة الجوالة مقعدٌ خشبي، ومكبرات صوت. ونُصبت على السيارة دعائم من حديد وخشب غطتها الرسوم والشعارات، وحملت بروجيكتورات الإضاءة. ومن هذه الشعارات بالخطّ الأخضر والأحمر: “طرابلس تنتفض للبنان” و”لبنان ينتفض”، وحولهما العلم اللبناني، وقبضتان خضراوان، مع رسومات ترمز لشعبٍ ينتفض رافعًا الأيدي نحو السماء. ومن شعارات “المنصة الجوالة” أيضاً “هالثورة هي ضمانتك. قضاء مستقل وعادل. ثقة بالعملة الوطنية. اللامركزية الإدارية. المرأة نصف المجتمع. اقتصاد وطني منتج. الشرعية الشعبية. نظام محاسبة. نحو العدالة الاجتاعية”.

انطلقت المنصة مع مجموعة “طرابلس تنتفض” المؤلفة من نحو 10 ناشطين فاعلين في المدينة. وبعد اندلاع شرارة الثورة كان مشروع إنشاء المنصة حلمهم في طرابلس، لنقل صوت الانتفاضة إلى الناس الذين لا تستطيعون مواكبتها في الشارع. فالفقر المدقع في طرابلس يمنع شريحة من أبنائها من تأمين كلفة المواصلات إلى ساحة النور. وكما برزت في المدينة تظاهرات جوالة في المناطق الداخلية والأحياء الفقيرة: جبل محسن وباب التبانة، هدف المنصة الجوالة الوصول إلى المناطق الغائبة أو المغيّبة عن الثورة.

جلسات حوارية
يشرح أنس شكشك (31 عامًا، مدير شركة أدوية وناشط مدني في طرابلس، وواحد من أفراد مجموعة “لبنان ينتفض”) عن المنصة، فيقول لـ “المدن”: “المنصة الجوالة انطلقت من طرابلس وسيكون لها دور في لبنان كله. أمس قمنا بجولة تعريفية عنها في المدينة. واليوم الجمعة، ينطلق برنامجها المكثف: يوم في كل منطقة، للجلسات الحوارية المفتوحة مع الناس حول الشؤون السياسية والاجتماعية، إلى جانب الحشد بمكبرات الصوت والشعارات والهتافات الثورية”.

وتهدف المنصة، وفق أنس، إلى إشراك شرائح وطبقات المجتمع الطرابلسي في الانتفاضة، ودمجها بالتحوّل الكبير الذي طرأ على لبنان بعد 17 تشرين. كي يكونوا معنيين بما يحدث، وألا يظلوا على هامشه. ويضيف أنس: “طرحت فكرة المنصة الجوالة مع مرور الأيام الأولى من الثورة، وأخذت نقاشًا طويلًا داخل المجموعة بين معارضٍ ومؤيد لها، إلى جانب أجندة طويلة من الأفكار والمشاريع الثورية. وقمنا بدراستها، وحاولنا تأمينها بأقلّ كلفة ممكنة وأعلى جودة”.

وبعيدًا عن الشُبهات بتمويل السفارات التي تُحاك ضدّ أيّ مبادرة، يشير أنس إلى أنّ كل معدات المنصة أمنها التبرع بنسبة 90 في المئة، ولم يبقَ سوى تكاليف تشغيلها وتأمين البنزين لها، فتحملتها المجموعة بالتشارك”.

كسر الحواجز
وتهدف المنصة الجوالة إلى تحفيز الناس للنزول إلى الشارع والمشاركة في التظاهرات والحراكات الشعبية، على قاعدة “إذا ما أجو نحن منروح لعندهم”. فالانتفاضة، بحسب أنس، يجب أن تكون في الساحات كلها. وتحمل المنصة شعارات ومطالب اللبنانيين، وهي تجربة لكسر مزيد من الحواجز الطائفية والمحلية والطبقية. حتّى تكون الثورة على كلّ ما كان قائمًا قبلها.

وبعد أن تنتهي المنصة من جولاتها في طرابلس، تجوب في المناطق اللبنانية للتفاعل وتبادل التجارب وترسيخها. فهل سينجح هذا المشروع بتحريك عجلات الثورة بين المناطق عبر منصتها الطرابلسية الجوالة؟