
ورشة بناء
بعد أن كان القطاع العقاري قد بدأ يتنفس الصعداء نتيجة حركة المبيعات الناشطة من قبل المودعين المتطلعين لتحويل أموالهم إلى أصول عينية وبعد طي صفحة الدفع بالشيكات المصرفية عاد القطاع ليدخل مرحلة المجهول منذراً بأزمة سكنية مرتقبة.
في هذا الإطار، يؤكد رئيس نقابة الوسطاء والاستشاريين العقاريين وليد موسى لـ”صوت بيروت إنترناشونال” أن الجمود في حركة التطوير والبناء التجاري هو سيد الموقف، علماً أن المشهد كان قد بدأ يتحسن بعد ثورة تشرين الأول، وتحديداً بعد الضوابط التي وضعتها المصارف على سحوبات الدولار وتحويلها. ويقول: “بعد فرض تلك الضوابط تهافت الكثير من المودعين إلى شراء العقارات لقاء شيكات مصرفية بهدف تحويل أموالهم إلى أصول عينية، وهذا الواقع ساعد المطورين على سداد جزء كبير من ديونهم المصرفية”. يضيف: “لكن بعد فقدان العملة الوطنية لقيمتها دخلت السوق في مرحلة جديدة إذ بات نحو 90 في المئة من المبيعات العقارية يدفع بالدولار النقدي، مما أدى إلى تراجع الطلب إلى مستويات غير مسبوقة”.
الأسعار تتراجع بنسبة الثلثين
انخفضت أسعار العقارات بنسبة تتراوح بين 60 و30 في المئة تقريباً، بحسب المنطقة والقدرة الشرائية لسكانها، وفق موسى. ويضيف: “إن المعروض من الشقق بات حتماً أكبر من الطلب، ونسبة الحسم التي يعتمدها البائع تختلف بحسب حاجته للبيع”. ويعزو موسى سبب الانخفاض إلى الوضع الاقتصادي المأزوم ما يترافق معها من تراجع قيمة العملة الوطنية والقدرة الشرائية وانعدام الثقة بالبلد بشكل عام.
لا مشاريع عقارية جديدة
مما لا شك أن الأزمة الأخيرة قوضت قدرة المطورين العقاريين على بناء مشاريع جديدة، ويؤكد موسى أنه في ظل الأزمات الراهنة والضوابط المصرفية وغياب القروض التمويلية والسكنية واحتجاز ودائع اللبنانيين في المصارف يستحال تطوير وبناء مشاريع عقارية. وفي ما يخص المشاريع التي لا تزال قيد الإنشاء، فيشير موسى إلى أن المطور يفاوض الشاري على إعادة جدولة وتسعير الشقق، لأن المطور لم يعد قادراً على الاستمرار بالأسعار القديمة، والشاري غير قادر على سحب أمواله من المصرف. ويضيف: “ينبغي على الحكومة العتيدة أن تضع حلاً لتلك المشاكل وتعيد تنظيم العقود بين البائع والشاري، وذلك عبر تأمين السيولة اللازمة لاستكمال المشاريع بالحد الأدنى الذي يسمح للشاري بالسكن.
المغترب في طليعة الشراة
يشير موسى إلى أنه في حال تحسنت الأوضاع السياسية وعاد الاستقرار الأمني قد يتخذ المطورون مبادرات للاستثمار، لكنها ستكون حتماً مشاريع متخصصة ومصممة للمغتربين. ويضيف: “بعد الانخفاض في أسعار العقارات أضحت قدرة المغترب أكبر على تملك عقار أو شقة في لبنان”. ويؤكد أنه رغم انخفاض الأسعار انتفت قدرة اللبناني على شراء العقار، لذا الطلب يقتصر حالياً على المغتربين واللبنانيين الذين لديهم حسابات مصرفية في الخارج، وتتركز حركة البيع في بيروت وضواحيها. سيعلب المستثمر الخليجي، في حال استقرت الأوضاع السياسية، دوراً أساسياً في الاستثمار في العقار لأن الأسعار أصبحت مجدية مع تراجع سعر الأراضي والأكلاف التشغيلية كاليد العاملة وبعض أسعار المواد الأولية كالإسمنت، وانخفاض هامش الأرباح للمطورين.
الإيجارات مثبتة بالدولار
أما بالنسبة إلى الإيجارات، فيعمد جزء كبير من مالكي العقارات إلى تحويل عقود الإيجار إلى العملة الأجنبية لا سيما في بيروت لضمان حقهم بعد تراجع قيمة العملة الوطنية. ويشير موسى إلى أن الإيجارات تراجعت بنسبة تخطت 60 في المئة أيضاً، ولكن تم تثبيت سعرها بالدولار. ويضيف: “على الرغم من انخفاض الإيجارات، إلا أنها لا تزال مرتفعة بالنسبة إلى اللبنانيين مع فقدان الليرة لنحو 95 في المئة من قيمتها، وهذا تحد جديد بالنسبة للمستأجرين والمالكين على حد سواء”، لافتاً إلى أن المالكين يتطلعون إلى استقطاب الأجانب أو اللبنانيين الذين يتقاضون راتبهم بالعملة الأجنبية.
تهافت على رخص البناء
الجدير بالذكر أن عدد رخص البناء الصادرة عن الدوائر العقارية ارتفع بداية العام الحالي، على الرغم من الجمود شبه التام في حركة التطوير العمراني. ويعزو موسى السبب إلى أن فئة من المطورين تهافتوا إلى الحصول على رخص على سعر صرف 1500 ليرة لبنانية قبل أن ترتفع أسعارها، على أن يتم استخدامها في وقت لاحق بعد تحسن السوق العقارية وعودة الانتعاش الاقتصادي، لافتاً أن الرخصة تصلح لأكثر خمس سنوات.
أزمة سكنية مرتقبة
هذا الواقع المأزوم للقطاع السكني سيؤدي إلى انفجار اجتماعي، بحسب موسى، مضيفاً أن تداعياته ستنعكس على الشباب اللبناني وقدرته على الزواج وبناء عائلة. “هذه الأزمة قد تعود بالشبات عقوداً إلى الوراء حيث كان يسكن الشاب مع أهله بعد الزواج”. يضيف: “الناس أخيراً مشغولة في همومها المعيشية وكيف ستؤمن متطلبات الحياة الرئيسية من مأكل وملبس وغيرها، لكن بعد فترة وجيزة ستدرك أنها لم تعد قادرة على امتلاك أو إيجار منزل أو شقة”. وستذهب البلاد إلى التوجه السائد في الهند بحيث يقتصر شراء العقار على غير المقيمين لانتفاء قدرة المواطن على الشراء في حال لم تتخذ الحكومات المتعاقبة السياسات والإجراءات والحوافز المطلوبة لتشجيع الاستثمارات العقارية لتطوير عقارات بأسعار مقبولة.