الأحد 18 ذو القعدة 1445 ﻫ - 26 مايو 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

هذا هو هدف المتقاطعين على تعطيل الاستحقاق الرئاسي

مَنْ لا يريد أن يكون لبنان حاضرًا في أي مؤتمر دولي عندما سيصار البحث الجدّي في مستقبل المنطقة؟

هذا السؤال أجاب عنه وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه خلال زيارته القصيرة لبيروت، ولكن بطريقة مختلفة عن الإجابات التقليدية، خصوصًا عندما أشار إلى أن عدم انتخاب رئيس للجمهورية سيجعل لبنان غائبًا، ليس فقط في المؤتمرات الدولية والإقليمية، بل في الخارطة السياسية الجديدة التي بدأ الاعداد لها ورسمها في كواليس عواصم القرار بعد انتهاء الحرب في غزة، والتي ستنتهي عاجلًا أو آجلًا بعدما أثبت فلسطينيو القطاع صمودًا أدهش العالم، والذي تعاطفت شعوبه معهم في شكل غير مسبوق، بالأخصّ بين الطلاب، وهم الجيل الجديد، سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو في فرنسا أو في أكثر من عاصمة معنية بإيجاد حل سريع لقضية العصر.

فمن يريد تغييب لبنان عن المؤتمرات الدولية المصيرية هم بكل بساطة أولئك الذين لا يزالون يعيقون انتخاب رئيس للجمهورية. وهذا الرئيس مغيّب لأسباب باتت معروفة، ومن بينها أو لعل من أهمها، هو أن كل فريق يريده أن يكون على صورته ومثاله، أي أنه يريده له وحده، وفي الوقت ذاته أن يكون رئيسًا على الآخرين. وبهذه الحال لن يكون للبنان رئيس لا اليوم ولا غدًا ولا بعده، وسيبقى الكرسي الرئاسي في بعبدا شاغرًا إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. وهذا الأمر يريح كثيرين على ما يبدو، وهم يحاولون الايحاء بأن البلد ماشي مع رئيس أو من دونه. وهذا ما يرفضه من تُلقى على كتفه هموم البلد كله، الذي يرى أن لبنان لا يُدار إلاّ إذا اكتمل عقد المؤسسات الدستورية وانتظم عمل السلطات. وهذا العمل لن يكتمل في غياب الرأس.

فبغياب رئيس الجمهورية سيبقى وضع البلد على كفّ عفريت، وستبقى القرارات الحكومية التي تُتخذ من حين إلى آخر لتسيير شؤون الناس وللحؤول دون الانهيار الكبير محدودة الفعالية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى القوانين التي تصدر عن مجلس النواب من ضمن ما يسمّى بـ “تشريع الضرورة”، مع احتدام الجدل السياسي بالنسبة إلى دور المجلس المحدّد في الدستور لجهة حصر عمله فقط بمهمة انتخاب رئيس للجمهورية.

فالاختلاف السياسي أمر طبيعي، وهو من صلب الحياة الديمقراطية، وسببًا من بين أسباب كثيرة لتطور العمل السياسي والنمو الاقتصادي. وليس المطلوب أن يكون جميع اللبنانيين، بطوائفهم وأحزابهم وبيئاتهم، نسخة طبق الأصل عن بعضهم البعض. وهذا ما يميزّ لبنان المتعدّد الديانات والثقافات والتوجهات والعادات والتقاليد، وهو أمر مفترض أن يشكّل مصدر غنى وليس مصدر تعاسة وانحطاط وتقهقر وانكفاء كما هو واقع الحال اللبناني في ظل هذا الانقسام العمودي والأفقي في التركيبة الفسيفسائية غير المنسجمة تقاطعاتها مع بعضها البعض إلى درجة إن ما كان يُحكى همسًا عن بعض التوجهات الأحادية في ما خصّ مستقبل هذا البلد الصغير أصبح مطلبًا علنيًا لفئات كثيرة لم تعد تؤمن بفكرة لبنان – الصيغة القائمة على روحية العيش المشترك.

في المقابل نرى أن ثمة فئات كثيرة من اللبنانيين لا يزالون يؤمنون بأنه لا غنى عن لبنان العيش الواحد تحت سماء واحدة على رغم ما يمرّ به من أزمات يقول البعض عنها بأنها وجودية، ولكنها تبقى أقل وطأة من مآسي الحرب اللبنانية، التي باعدت بين أبناء البلد الواحد، وقسّمت عاصمته إلى مدينتين يفصل بينهما خط تماس ناري. ومع كل ذلك عاد اللبنانيون إلى صفاء عيشهم، فتوحدّ الجيش، وعادت العاصمة إلى وحدتها، ولكن النوايا لم تكن صافية، لأن المصالحات لم تستتبعها مصارحات في العمق.

ولأنه لم توضع كل الهواجس على طاولة مصارحة حقيقية نشهد اليوم ما نشهده، ويتمّ تغييب رئيس الجمهورية مع ما يرمز إليه من وحدة الشعب والأرض والمؤسسات، وكأن الذين يتقاطعون على تعطيل الاستحقاق الرئاسي لا يريدون أن تكتمل حلقات الوحدة الوطنية.

    المصدر :
  • وكالات