استمع لاذاعتنا

وثائق العفو… أصدقُ إنباءً من “الكُتُبِ”

البلد ينهار اقتصادياً ومالياً، الشارع يغلي ويستعد لتزخيم تحركاته نهاية الأسبوع وصولاً إلى هدير الميدان بالتزامن مع استشارات التكليف، السلطة على مكابرتها تتصرف ببرودة مشوبة بالقلق على مصير تكليف مرشحها سمير الخطيب، وما إذا كان سيصمد ترشيحه حتى مساء الاثنين بأقل الأضرار السياسية والشعبية الممكنة… بينما من يعتبرون أنفسهم “حماة العهد” كانوا منشغلين على مدار الساعات الأربع والعشرين الأخيرة في حملة الرد على ما كشفت “نداء الوطن” النقاب عنه بالوثائق والمستندات تحت عنوان “العفو – ليكس”.

لا شك أنّ “نداء الوطن” كانت على بيّنة بأنّ ما نشرته في عددها الصادر أمس عن ضلوع وكيل قانوني لرئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل ومحام في مكتب وزير رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي في فضيحتين موثّقتين، تم بموجبهما توريط رئيس الجمهورية ميشال عون في استخدام صلاحيته بمنح العفو الخاص عن مروّجة مخدرات مُدانة، وعن مُدان آخر بالمسّ بكرامة العاهل السعودي، سيلقى الصدى الكبير الذي لاقاه على مختلف المستويات الإعلامية والسياسية والرئاسية والشعبية.

كما لم يكن هناك أدنى شكّ بأنّ الضالعين في هاتين الفضيحتين المدوّيتين سيلجأون إلى محاولة طمس الحقائق والتلطي خلف معزوفة “استهداف الرئيس” الممجوجة، متعامين عن حقيقة ساطعة لا يمكن طمسها وهي أنّ هذه القضية جرى نشرها أساساً تحت عنوان “برسم الرئيس”، انطلاقاً من الحرص على موقعه وصلاحياته ومناشدته تنزيه هذا الموقع وهذه الصلاحيات عن الوصوليين والمنتفعين من المحيطين به والأقربين إليه…

لكن ما كان يحتمل ربما بعض الشك هو لجوء المتضررين من كشف الحقيقة في هذه القضية إلى هذا الكمّ من “استهبال” الرأي العام، والتعاطي معه على أنه من صنف “قطيع الغنم” الذي يهشّون عليه بعصاهم ويغشّونه بعباراتهم المنمّقة و”يستغشمونه” ببيانات وتصريحات أقل ما يقال فيها إنها منفصمة عن الحقائق والوثائق.

وإذ سارع وكيل باسيل المحامي ماجد بويز إلى محاولة تلقف كرة “الفضحية” وحرفها عن مرماها عبر سلسلة إطلالات إعلامية لم تحمل سوى مزيد من التأكيدات على دقة وصحة ما نُشر في مانشيت “العفو – ليكس”، عادت “نداء الوطن” لتتلقى من وكيل باسيل ومن جريصاتي بالأصالة عن نفسه كتابين منفصلين رداً على إثارة “نداء الوطن” فضحيتي العفو الخاص الذي استحصلا عليه من رئيس الجمهورية، في سياق توضيحي لا يلامس جوهر القضية بقدر ما يغرق في سرد تفاصيلها بشكل يؤكد المؤكد والموثّق في وثائق العفو الممهورة بالتواقيع والتواريخ التي نشرتها “نداء الوطن”… فظلّت هذه الوثائق خارجة عن أي مجال للسجال والمحاججة باعتبارها أصدقُ إنباءً من كل “الكُتب” التوضيحية الإنشائية.

وفي بيانه، أوضح وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية قائلاً: “إن صلاحية العفو الخاص هي صلاحية لصيقة بشخص رئيس الجمهورية الذي يطّلع على معطيات الملف ويقدّر عناصره ويتخذ قراره في ضوئها. لذلك لم يولِ الدستور لجنة قضائية متخصصة، وهي هنا لجنة العفو، صلاحية بت طلبات العفو نهائياً، بل أولى هذه الصلاحية رئيس الجمهورية، بحيث انحصر دور لجنة العفو بإبداء الرأي ليس إلا.

في ما خص حالة طلب العفو موضوع المقال والمتعلقة بالمخدرات، يقتضي أولاً الاشارة الى أن المدة المحكوم بها بعد التخفيف ليست خمسة عشر عاماً كما ورد في المقال، بل خمسة أعوام، وقد اطّلع فخامة رئيس الجمهورية على الملف بكليته الذي أظهر أن دور السيدة المعفاة مما تبقى من عقوبتها اقتصر على تسهيل دخول مروج مخدرات إلى ملهى ليلي، وهي من المدمنات وترمي من خلال ذلك الى حصولها منه على المخدرات لإستعمالها الشخصي. هذا وقد سبق لوزير العدل آنذاك (سليم جريصاتي) أن أصدر تعميماً بأن المدمن يذهب أولاً الى العلاج وليس الى السجن عملاً بالأحكام القانونية المرعية الواردة في القانون رقم 673 تاريخ 16/3/1998 (المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف)، ولم يتوسط أي وزير أو يتدخل في هذا الملف، لا من قريب أو من بعيد، مع الاشارة الى أنه لم يتصل أي طلب عفو يتعلق بالإدمان طرف رئاسة الجمهورية كي تتخذ موقفاً منه.

أما في ما خص جرم المطبوعات، فإن الحُكم الصادرعن محكمة المطبوعات قضى بغرامة مع وقف تنفيذها، وكان قد تقدم طالب العفو باستدعاء تمييز ضد هذا الحكم، المتضمن أساساً وقف تنفيذ لصالحه، بغية الوصول الى نتيجة أفضل لتفادي ورود الحكم في السجل العدلي، إلا أن محكمة التمييز فرضت غرامة عالية بهذا المضمار. يُضاف الى ذلك أن طالب العفو لم يكتب أو يتبنَّ الكلام موضوع النزاع، بل كان ناقله عن سواه من الكتبة الأجانب وضمن مزدوجين، وانه تقدم بطلب العفو منذ ما يقارب السنة والنصف لعجزه المادي عن تسديد الغرامة العالية وهو في سن متقدمة ولا يعمل، وقد تقرر تخفيض الغرامة المحكوم بها وبقيت الإدانة.

أما في ما يتعلق بالوكالة القضائية، فيعود تاريخها الى العام 2010 ولم تُنظم لمحام وزير في حينه أو أصبح وزيراً الآن، ولم يتوسط أي وزير أو يتدخل في هذا الملف.

في ضوء ما سبق، إن استهداف فخامة رئيس الجمهورية بالصلاحيات اللصيقة بشخصه سياسي بامتياز ومثلث الأضلاع والأطراف (لاسيما: طلب إعادة النظر بالقوانين/ منح الجنسية اللبنانية/ منح العفو الخاص)، ومرصود تماماً من قبلنا وسوف نتصدى له بالوسائل الدستورية والقانونية المتاحة”.

أما وكيل باسيل القانوني المحامي ماجد بويز، فجاء في ردّه:

“أولاً: إن الردّ على المغالطات موضوع مقالكم وردت في المقال ذاته الذي أكد أن العفو الخاص هو من صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عنها في المادة 53 من الدستور، وأن كافة الدساتير في العالم تتضمن مثل هذه الصلاحية، التي يعود للرئيس الحق بتقديرها نظراً لظروف كل ملف خلافاً لما قرره الحكم القضائي بحق طالب العفو.

ثانياً: إن المزاعم الواردة في المقال لجهة مدة العقوبة غير صحيحة، إذ إن المدة المحكوم بها هي خمس سنوات وليس خمس عشرة سنة، نفذت طالبة العفو نصفها فعلياً، الأمر الذي تجاهلته صحيفتكم عن عمد بقصد التشهير والتهويل واستعمال هذا الموضوع القضائي البحت في السجال السياسي.

ثالثاً: إن ما ورد في مقالكم لجهة أن طالبة العفو إعترفت بترويجها للمخدرات مخالف للحقيقة تماماً، ويدخل ضمن الاخبار الكاذبة، ويشكل تحويراً فاضحاً للحكم الصادر عن محكمة الجنايات، لأن هذه الاخيرة نفت كلياً ترويجها للمخدرات واعترفت بتعاطيها للمخدرات، الأمر الذي تم تدوينه صراحة في الحكم الذي نرسله لكم ربطاً، علماً أن سياسات التجريم الحديثة تنظر الى المتعاطي كضحية وليس كمجرم.

رابعاً: إن زعمكم عن استبعاد المحامي السابق لمصلحتي، مخالف للواقع وينم ايضاً عن اختلاق الأخبار الكاذبة قصداً، لأن الحكم النهائي صدر منذ فترة زمنية وقد تمثلت طالبة العفو خلال المحاكمة التمييزية بالزميل القديم ولم يتمّ استبعاده، لا بل توليت بعد هذه المدة الوكالة القانونية عنها لتقديم طلب العفو وهو ملف جديد لم يكن الزميل السابق موجوداً فيه وتمّ استبعاده.

خامساً: إن اللجوء من قبلي الى مرجع قانوني جديد لتأمين أقصى حدود الدفاع عن موكلتي، وهو حق قانوني ودستوري مكرس لي ولها، أما إدراجكم هذا الأمر في إطار السجال السياسي الدائر في البلاد، بتحوير الوقائع موضوع الحكم والقضية، هو مخالف لابسط مبادئ الأمانة والأخلاقيات الصحفية التي ندعوكم الى التحلي بها.

سادساً: إن السند القانوني لطلب العفو يرتكز الى وضع إنساني حيث أن طالبة العفو هي صبية في مقتبل العمر كانت ضحية لتعاطي المخدرات واستغلال المروجين لمرضها، وقد قضت نصف عقوبتها، وهي معيلة أهلها، وبالتالي فان المظلومية التي لحقت بها، سوف تقضي على مستقبلها، في حين أن جرم التعاطي يستوجب علاجاً لا يشكله بالتأكيد حكم قضائي”.