
وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين
رفع وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين سقف التشدد في ملف الدواء، مؤكدًا أن الوزارة لن تسمح ببقاء أي دواء يثبت عدم فعاليته أو وجود خلل في جودته أو مأمونيته، بالتوازي مع العمل على توسيع التغطية الصحية، وتعزيز المنافسة، وتحديث آليات تسجيل الأدوية والرقابة عليها.
وخلال مؤتمر صحافي خُصص لعرض واقع الدواء والسياسة الدوائية المعتمدة في لبنان، كشف ناصر الدين أن الإنفاق السنوي على الأدوية ارتفع بأكثر من 600% مقارنة بعام 2024، من نحو 24 مليون دولار إلى 172 مليون دولار حاليًا.
وأوضح أن كميات الأدوية المصروفة ارتفعت بدورها من 77 ألف علبة عام 2024 إلى 216 ألف علبة عام 2025، ثم إلى نحو 410 آلاف علبة خلال عام 2026.
وفي ما يتعلق بأدوية الأمراض السرطانية والمستعصية، أشار الوزير إلى ارتفاع عدد المرضى المستفيدين من نحو 19,630 مريضًا عام 2024 إلى أكثر من 28 ألفًا حاليًا، أي بزيادة تتجاوز 43%، فيما ارتفع عدد الأدوية التي تؤمّنها الوزارة من 118 إلى 185 دواء، بنسبة زيادة بلغت 57%.
وبالتوازي مع توسيع التغطية، أوضح ناصر الدين أن الوزارة تعمل على تعزيز الاعتماد على الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية، لافتًا إلى أن أدوية العلامات التجارية لا تزال تستحوذ على نحو 56% من السوق اللبنانية وعلى قرابة 80% من الإنفاق الدوائي، مقابل 44% للأدوية الجنيسة.
وأكد أن سياسة الوزارة تهدف إلى خلق منافسة فعلية بين الأدوية بما يساهم في خفض الأسعار وتوسيع القدرة على تأمين العلاج، مع التشديد على أن الجودة تبقى الأولوية الأولى. وكشف أن المنافسة في عدد من المناقصات حققت وفورات مالية كبيرة، بينها وفر يقارب 10 ملايين دولار في إحدى المناقصات، إضافة إلى تسجيل انخفاضات كبيرة في أسعار بعض الأدوية بعد اعتماد بدائل جنيسة وحيوية.
وفي ملف تسجيل الأدوية، أعلن ناصر الدين تحديث الإرشادات المعتمدة منذ عام 2009، بالاستناد إلى معايير أحدث تعود إلى عام 2022، وذلك بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية. كما أشار إلى إشراك 14 أكاديميًا متخصصًا رشحتهم نقابة الصيادلة للمساهمة في دراسة ملفات الأدوية الحساسة، ولا سيما أدوية السرطان والأمراض المستعصية.
وشدد الوزير على أهمية تفعيل برنامج اليقظة الدوائية، موضحًا أن تسجيل الدواء ودخوله إلى السوق لا يعني ضمان استمراره بصورة دائمة، إذ ستتحرك الوزارة لشطب وسحب أي دواء تثبت تقارير علمية موثوقة عدم فعاليته أو وجود خلل في جودته أو مأمونيته.
وفي هذا السياق، أعلن العمل على إطلاق تطبيق إلكتروني يتيح للأطباء والصيادلة الإبلاغ عن أي ملاحظات أو مشكلات مرتبطة بالأدوية، بما يعزز الرقابة على الدواء بعد دخوله السوق.
كما كشف عن تقدم في مكننة إجراءات تسجيل الأدوية، موضحًا أن تقديم طلبات التسجيل إلكترونيًا عبر منصة مخصصة سيصبح متاحًا خلال فترة لا تتجاوز شهرًا، بما يساهم في تخفيف الأعباء الإدارية وتسريع دراسة الملفات.
وعلى المستوى المؤسساتي، شدد ناصر الدين على ضرورة تفعيل الوكالة الوطنية للدواء وإنشاء مختبر مركزي مرجعي، كاشفًا أن الوزارة خاطبت مجلس الخدمة المدنية للإسراع في استكمال إجراءات تشكيل الوكالة، فيما تقرر إنشاء مختبر مركزي مرجعي في الجامعة اللبنانية بتمويل أولي من البنك الدولي.
وأكد وزير الصحة أن التعامل مع ملف الدواء يتم “بهدوء وبمنهج علمي”، مشددًا على أن حماية صحة المواطنين تتطلب التأكد من فعالية الدواء وجودته ومأمونيته قبل أي اعتبار آخر.
وفي ما يتعلق بالجدل الذي أثير حول بعض الأدوية السرطانية، أوضح ناصر الدين أن الوزارة تحققت من ملفات التصنيع، وتبيّن أن الأصناف التي تصل إلى لبنان تُنتج في مواقع معتمدة في السعودية والأردن، وليس في موقع الإنتاج الأميركي الذي أثيرت حوله ملاحظات. ودعا أي مريض يواجه مشكلة تتعلق بفعالية دوائه إلى مراجعة طبيبه أو الصيدلي أو التواصل مع الوزارة.
أما في ملف الأدوية المهرّبة والمزوّرة، فأكد ناصر الدين أن الوزارة اتخذت صفة الادعاء في أكثر من ملف، بالتوازي مع تفعيل أجهزة التفتيش والتنسيق مع القوى الأمنية والجمارك، مشيرًا إلى أن كل علبة دواء تحمل رمزًا يتيح التحقق من مرورها عبر الإجراءات الرسمية المعتمدة.
ويأتي هذا المسار في إطار توجه وزارة الصحة نحو الانتقال من معالجة النقص الدوائي إلى بناء سياسة أكثر استدامة، تقوم على توسيع التغطية، وتعزيز المنافسة لخفض الكلفة، وتحديث آليات تسجيل الأدوية، وتشديد الرقابة على جودتها وفعاليتها بعد دخولها السوق، وصولًا إلى تفعيل المؤسسات المتخصصة القادرة على تنظيم القطاع وضمان سلامة الدواء على المدى الطويل.